الوظيفة تسرق الأعمار بلا فائدة بقلم : خليل الله عبدالحق المساوي
   

أقبح شيء في هذا الوجود هو أن تكون موظفا  مقبوضا عليك من الثامنة والنصف إلى الرابعة والنصف  بعد الزوال بينما تمر أشياء جميلة خارج مقر عملك لن تراها..

حياتك كاملة ستمر في هذه الدوامة.. لن تستطيع التغيب إلا بإذن  ولن تأخذ عطلة راحة إلا بإذن وإذا مرضت لن يصدقك أحد حتى تدلي بشهادة طبية، وأحيانا لن يصدقوا حتى مرضك البادي على وجهك فيرسلونك إلى الفحص المضاد. لن تتمتع بنوم الصباح.. لن تتمتع بشبابك ورجولتك سَتَتِيه وسط حروب تفرضها طبيعة شغلك ..ستجري عبر وسائل النقل لتكون حاضرا في الوقت الذي حددوه لك ...ستعيش على أعصابك متوترا.

تستهلك أقراصا مقوية  وأخرى ضد التوترات العصبية.. ستظل تتمنى  وتنتظر الزيادة في الأجور  وترقيات الرتبة  والسلم.. وتتابع  الحوارات الاجتماعية  والنقابات..لن يُسمح لك بالمغادرة إلا بعد أن تقضي خمسة وعشرين سنة في هذه الدوامة أو عندما تبلغ حد السن..سيحتفل  بك.. وبنهايتك.. وقرب موتك.

 زملاؤك في العمل.. يقولون كلمة وداع في حقك..سيبكي البعض ليس عليك بل على حالهم الذي يشبه حالك.. سيمنحك رئيسك المباشر شهادة وهدية  بلا قيمة، هي عزاء أمام حياتك التي سرقت منك..ستعود إلى البيت صامتا..

وفي صباح أول يوم من تقاعدك ستنتبه أن الأولاد رحلوا عن البيت وأن شريكة حياتك هرمت وغشى الشيب رأسها  تتمعن فيها  تتساءل متى وقع كل هذا؟ 

حينها سينادي المنادي فيك..إن الوظيفة تسرق الأعمار بلا فائدة..سيعاتبك   ضميرك آخر عتاب،  لماذا لم تغادرها وأنت في كامل طاقتك لتستمتع  بجمال زوجتك وأبنائك وبالحياة.. ستجيب نفسك  في آخر إعلان هزيمتك.. لم تكن لدي الإمكانيات ولم يكن لدي خيارثان.. ستستسلم آخر استسلام..ستركن إلى النوم  ستصاب باليأس والاكتئاب  وتبدأ رحلة علاجاتك سترحل دون أن يعلم أحد بموتك.

فمن عاش حاني الرأس يموت دون مقاومة.. بينما سيتقدم العديد من الشباب بعد رحيلك الى مباراة تخص نفس وظيفتك،  وسيحلمون كما كان حلمك وأنت في أوج شبابك..فتتكرر المأساة  بينما..حياتك وحياتهم الجميلة لن تتكرر.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

المجموع: | عرض:
الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0