حكاية موت الطفل الركراكي محمد كريشة الذي خطفته يد المنون
 
image
 

 إنه الطفل الركراكي  محمد كريشة الذي خطفته يد المنون في لمحة البصر  يوم 15غشت الماضي . ولازالت ألسنة الناس تنطق بالثناء الجميل عليه،  والدعاء له بالرحمة . 

هذا الطفل البريء المحبوب، رغم صغر سنه، حيث إن عمره لا يتجاوز سنة ونصف، إلا أن أيامه كانت حافلة بالحيوية و نابضة بالحركة و مليئة بالأحداث. 

يقول والده ” حسن اكريشة ” وفي نبرة حديثه غصة الشوق إلى ابنه ، ” هكذا شاء قضاؤه ولا مراد لقضاء الله. كانت ولادته في الديار الفرنسية في يوم 6 /10/2018 أي في شهر القادم سوف يكمل عمره سنتان. و سميته الركراكي على اسم والدي المشمول برحمة الله. لقد شاءت الأقدار الربانية، أن يتواجد في المغرب بسبب تفشي  الوباء الكوني كوفيد 19 المستجد، بينما كنت في الديار الفرنسية “.

وأضاف الاب المكلوم  ” قبل حلول عيد الأضحى  اصطحبته أمه معها الى مقبرة سيدي عبد الكريم لزيارة جده الركراكي , و الغريب في الأمر لما علم الطفل (الركراكي) أن هذا القبر الذي يقف أمامه هو لجده الركراكي ، في تلك الأثناء  صار يجري و يطوف بالحوش( القبر)  فرحا باسما لاعبا كأن الدنيا بين يديه .

 

وتحكي والدته لزوجها حسن  قائلة ” ولما عزمنا على الانصراف ومغادرة المقبرة ذهب عند رأس ” الشاهد ” القبر واحتضنه بيديه وقبله كما يقبل الولد البار رأس أبيه , ثم قطف وردة ووضعها فوق القبر كإهداء من حفيد لجده . 

وتضيف الام التي فقدت قطعة من قلبها .. ” ولما خطى خطوات قليلة  إلى الأمام التفت خلفا والقي نضرة فاحصة وغريبة على قبر جده . تقول والدته لازالت هذه الصورة في مخيلتي إلى الآن ، اتذكرها  باندهاش واستغراب وحيرة ،لا يمكن لأحد فوق هذه البسيطة أن يدرك مغزاها وإحساسها إلا الأم التي فقدت فلدة كبها “. 

وفي اليوم الموالي غادروا مدينة أسفي ، في اتجاه عاصمة سوس اكادير، حيث سيقضى أيام العيد الأضحى هناك عند أخواله . ويضيف ابوه حسن وهو رجل خدوم مؤمن بقضاء الله . ” ما وقع بين ابني محمد الركراكي  من حكايات وقصص لاتنتهي . اذكركم  ببعضها… في احد أيام الله مر رجل ذو لحية بيضاء  وعلامة التقوى بادية على ملامحه ، وكان الفقيد يلعب مع الأطفال في الزقاق ، فشاهده هذا الرجل وصار يصيح بصوت مرتفع ” تبارك الله على هذا الطفل ”   الله يحفظه …. الله يحفظه  لوالديه.

 

موقف أخر  يقول  حسن ” من أوصافه وجه بشوش، وابتسامة دائمة ، وعيون بهية  وقامة معتدلة ، رغم وزنه الزائد  . ورغم صغر سنه كان دائما يرفع اصبع السبابة ، ويشهد  بالواحد الديان ويقول الله  . 

 

في واقعة رأيتها بأم عيني يقول الأب .. اخذته يوما في فسحة إلى ساحة محمد الخامس حيث يوجد “الطاجين ” ليلعب هناك ، واستغربت لان الساحة فارغة ، لكن ما هي إلا لحظات  قليلة حتى صار المكان يعج بالأطفال ، وصاروا يلعبون  ويمرحون وأصواتهم تعلوا الفضاء  كأنهم  طيور مرحة  .

 

وجاء يوم  15 غشت 2020  ، في ذلك اليوم ظهر على الطفل الركراكي  شحوب وعياء ،و كان يغلب عليه  غياب الوعي المتكرر ، وأصبح لونه أصفر كالزعفران ، فنقل على عجل الى مستشفى الحسن الثاني باكادير ، وهناك تم تشخيص حالته الصحية وادخل إلى الإنعاش . وظل لبضع ساعات في غرفة الإنعاش الى غاية الساعة الواحدة مساء من ذلك اليوم  ايستيقظ  من الغيبوبة وفتح عينيه البريئتين ونظر إلى والدته نظرة الوداع  وقال  ” ماما ماما ” وابتسم لامه وللممرضات والأطباء ثم توقف تنفسه ..  كانت هذه آخر كلمات له  ، هكذا ذهب الطفل الركراكي  نحو موته بابتسامة ، فصرخت والدته ،”  ولدي وحيدي ولدي الغالي  ولدي العزيز.. ولدي”  واغمي عليها . 

 

وانتشر نبا وفاة الركراكي بسرعة كبيرة  بين الاسرة ” ونزل علينا خبر وفاة قرة عيني الركراكي كالصاعقة ” يقول والد المرحوم. ثم نقل جثمان الفقيد من اكادير إلى أسفي ، وشاءت الأقدار الربانية أن يدفن الحفيد بجانب جده  الركراكي ،جنبا الى جنب ..هل يعقل بعد سننين من وفاة الجد ان يرقد كل واحد منهم بجانب الأخر  . إنها إرادة الله ما شاء فعل  وما أراد يكون  يقول الأب المكلوم في فلذة كبده .

 

أما والدته لازالت تعيش قوة الصدمة ، لم تصدق أن فلذة كبدها  وقرة عينها  قد ودّعت هذه الحياة . لدرجة أنها  كلما سمعت صوت طفل تعتقد انه الركراكي . تعيش على ذكراه  تشم رائحته الطيبة الزكية  في ملابسه . 

 والده حسن يرى صوره في جهازه النقال الممتلئ بالصور والفديووات ، بدوره لا يستطيع ان يراها إلا عندما يأوي إلى فراشه والدمع يسيل من عينيه ، و أخوه مروان أيوب كذلك لا يصدق أن أخا ه ذلك  الطائر الصغير الركراكي  قد مات . الكل يعيش في الم حاد وحزن  عميق على فقدانه  . هكذا طار وترك صدمة عنيفة في نفوسنا . 

 ويختم الوالد كلامه، ” سنظل نذكره ولن ننساه أبدا .  سنذكره كلما شاهدنا أطفال في سن عمره يلعبون ويمرحون ، سيظل كل شيء بديع وجميل يذكرنا به  ، ما كنا  نحسب ان يموت  وهو في هذا العمر  وفي صحة جيدة . و اذا به يفلت من أيدينا كما يفلت الطائر..و ما كنا نتوقع  ،ان يغيب  عنا  غيبة لا رجعة بعدها.  وفي هذا المقام ، لا تنفع العبرات أمام الحسرات  وسكرات الموت.. ولا يسعنا إلا أن نلجأ إلى الله  حامدين لما أعطى  ولما أخد مرددين..  إنا لله وانأ إليه راجعون “

 

سعيد العبدى

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

المجموع: | عرض:
الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0