في تخليد ثانوية الهداية الإسلامية بآسفي للذكرى الذهبية لتأسيسها* - شهادة الأستاذ عبد الهادي الزوهري-
 
image
 

 

تقديم: (1)احتلفت ثانوية الهداية الإسلامية بآسفي بمرور نصف قرن على تأسيسها كمؤسسة تعليمية حرة ووطنية يوم 29/6/1996 وقد تم بهذه المناسبة استدعاء عشرات الفعاليات التعليمية والتربوية والثقافية ومنهم مجموعة من الأطر التعليمية باعتبارهم قدماء تلامذة ثانوية الهداية الإسلامية حيث أدلوا بمجموعة من الشهادات – التي سنعود إلى تغطيتها- من بينها شهادة الرفيق الأستاذ عبد الهادي الزوهري كواحد من قدماء ثانوية الهداية الإسلامية وكأهم مؤسسة تعليمية تخرج من رحابها مئات الأطر التربوية والثقافية والنقابية والسياسية رسميا أو شعبيا.. وكانت الكلمة كالتالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد ممثل النيابة، الأخ مبارك المتوكل عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم، السيد مدير المؤسسة، الإخوة أعضاء المجلس الداخلي لثانوية الهداية.

أيها السادة، أيتها السيدات:

حينما طلب إلي الإخوة الأساتذة في الهداية الإسلامية تهييئ شهادة بمرور نصف قرن على تأسيس مؤسستنا: ثانوية الهداية الإسلامية العتيدة، انتابني شعور بالارتباك في تقديم هذه الشهادة.

ربما باعتباري واحدا من آلاف التلاميذ الذين تربوا وتعلموا في أحضان الهداية الإسلامية ورحابها؟! خصوصا بعد أن انقطعت صلتي التعليمية – لا الروحية- بهذه المؤسسة. ولكي اشرح بواعث ارتباكي، أطرح أمامكم المعطيات التالية: 1) التحقت بهذه المؤسسة – التي أعتز بالانتماء إليها- في الموسم الدراسي 65-1966 وتخرجت منها، حاصلا على الباكالوريا، في الموسم الدراسي لـ71-1972 أي أنني قضيت بها سبع سنوات، وتفصلني عنها لحد الآن أربع وعشرون سنة. بما أن شهادتي ذاتية – إلا أن ذلك لا ينفي ربط الذاتي بالموضوعي- فقد حررت ذاكرتي لاستعادة صور المرحوم الفقيه الهسكوري، وصور أساتذتي الأجلاء الذين منهم من قضى نحبه كعبد الرحمان المرمري وعبد الله السايسي، ومنهم من لايزال ينتظر – أطال الله أعمارهم- كالزيدوني وأحمد الرباع، وأحمد الهسكوري، وعبد الوهاب الواصف ومحمد لمطالي وناصر قشلان وغيرهم.. إن هذه الشهادة الذاتية تذكرني أيضا بأصدقائي في الثانوية وفي الفصل كإدريس اليعقوبي وعبد الواحد اليعقوبي وعبد الرفيق بوركي وإبراهيم الحضرمي والمصطفى قشاب وميلود الويراني وإدريس المتشرائي ومحمد الكرطي والمرحوم مصطفى انميلي... الخ.

إذن مصدر ارتباكي، الذي أشرت إليه أعلاه، يعود بالدرجة الأولى إلى الحفر في ذاكرتي لمدة سبع سنوات والتي سوف يكون لها الأثر الحاسم في تشكيل وعيي وتحديد مسار حياتي – وهو أيضا تذكير باللحظات الحزينة والمفرحة في هذا السياق وهو فضلا عن هذا وذاك تذكير بمرحلة فتوتي وبداية شبابي كأزهى لحظتين في عمر الإنسان. ومع ذلك كله سأحاول أن أختصر هذه الشهادة ولو بكثير من العسف، وكثير من القسوة على الذات، وأكثفها في الظواهر التالية: 1) ظاهرة الموت 2) ظاهرة «المجانية» 3) ظاهر فلسطين 4) ظاهرة الإضراب 5) ظاهرة الأجنبي 6) ظاهرة المؤسسة – الأسرة.

هذه الظواهر – أيها الساة والسيدات- كما ترون وجودية واجتماعية وفكرية سياسية.

u ظاهرة الموت: بانتقالي من من مدرسة "النهضة" إلى رحاب "ثانوية الهداية الإسلامية" بدرب سيدي بوعزة، فاجأني الموت، باختطاف جدتي من جهة الوالدة – رحمها الله- وكان ذلك في 6 نونبر 1965، ولأول مرة واجهت الإحساس بالموت – كفتى- باعتباره الحقيقة الكبرى في الحياة على حد تعبير الكاتب الأمريكي "إرنست همنغواي".

وفي الموسمين الدراسيين 69-1970 و70-1971 اختطفت المنية أستاذي الشابين المرحومين: عبد الرحمان المرمري وعبد الله السايسي، بشكل تراجيدي، مما سيفتح عينيَّ على ظاهرة أنطولوجية وفلسفية كبرى ستهز أعماق كياني بعنف.

v ظاهرة «المجانية»: قبل أن ألتحق بثانوية "الهداية الإسلامية"، كنت أدرس بمدرسة "النهضة" الحرة تحت إدارة فقيهنا وأستاذنا محمد بنهيمة – أطال الله عمره- وكنا آنذاك نؤدي عشرة دراهم عن كل شهر، بما فيها أشهر العطلة الصيفية، وبمجرد انتقالي إلى "الهداية الإسلامية"، بعد نجاحي في امتحان الشهادة الابتدائية، تحررت أسرتي من هذا الالتزام المادي، وكم أحسست بالزهو حينما وفرت على عائلتي الفقيرة مائة وعشرين درهما في السنة... وفرحت فرحا عظيما لكوني أصبحت – كغيري- من تلامذة التعليم العام أنعم مثلهم بحلاوة «المجانية».

w ظاهرة فلسطين: في الموسم الدراسي لسنة 69-1970 كنت آنذاك بقسم الرابعة ثانوية (أي الأولى ثانوي الآن) وشرعنا لأول مرة في دراسة لغة أجنبية ثانية هي اللغة الإنجليزية، بوساطة أستاذنا الفلسطيني المرحوم "أبي عمارة". وكان صارما معنا، وينتقدنا بمرارة وتهكم حينما نخطئ في درس الإملاء، ‘’dictation’’ لم أكن أفهم آنذاك مغزى تلك الصرامة ولا أجد تفسيرا لذلك الانتقاد المرير الساخر. ولكنني الآن أعلم أن وراء تلك الصرامة قضية شعب سلبت أرضه رغما عنه، وترك للغربة، وللضياع، وأعلم اليوم أن تلك الصرامة كانت تدعونا إلى إتقان اللغة الإنجليزية – خصوصا نحن المعربين الضعاف في اللغة الفرنسية- باعتبار اللغة الإنجليزية لغة التواصل العالمي ولغة "بلفور"، الذي مهد لاستعمار فلسطين، ولم نستوعب آنذاك أن إتقان لغة أجنبية هو سلاح لمعرفة أعدائنا الأمبرياليين.

إلا أن صرامة أستاذنا المرحوم "أبي عمارة" انكسرت على وداعة أستاذتنا الفلسطينية السيدة "ناذرة" أستاذة العلوم، كما انكسرت أيضا على طيبوبة أستاذنا الفلسطيني "ناصر قشلان" أستاذ الأدب العربي.

هكذا عرفنا فلسطين القضية.. وهكذا عرفنا الإنسان الفلسطيني في نبله وعطائه.. ولأول مرة اطلعنا على شعر حديث حول فلسطين:

«لو كنتَ سيد شعبنا ما خنتنا

ما بعتنا للمعتدي...».

لقد ارتبط ظهور هذا الشعر بمناسبة إخراج المقاومة الفلسطينية من الأردن في أيلول الأسود، وإذا لم تخني الذاكرة فقد قرأته علينا الأستاذة «ناذرة» في الفصل.

x ظاهرة الإضراب: في السنة النهائية لنا بثانوية "الهداية الإسلامية"، عرفت "ثانوية ابن خلدون" إضرابا تلاميذيا على غرار بقية المؤسسات في الوطن، ودون أن أعرف سبب الإضراب ولا دواعيه طالبت صحبة مجموعة من الأصدقاء أن نقوم بإضراب على غرار تلامذة "ابن خلدون"، ولأننا لا نمتلك قناعة بما ننوي فعله، ولأننا غير منظمين، ولم نكن سوى مقلدين بسبب نزق الشباب فقد كنا نتأرجح بين الإحجام والإقدام، بين الالتحاق بالمؤسسة وبين مغادرتها، وفي صبيحة الإضراب من سنة 71-1972  التي لن أنساها أبدا ما حييت- هددنا المرحوم الفقيه الهسكوري، مدير المؤسسة بعكازته الشهيرة، بل ضرب أحد أصدقائنا آنذاك وهو يطلب منا جميعا أن نتابع دراستنا وألا نضرب...

واستئنا لموقف فقيهنا بل غادرنا المؤسسة فارين من عكازته ومن سيارة الشرطة، "الفاركونيت" ومضربين بطريقتنا الخاصة التي شكلها وعينا وقتذاك.

وبعد زمن طويل، فهمت لماذا كان المرحوم الهسكوري ضد إضرابنا، ولماذا كان يدعونا أولا للدراسة – ولماذا فتح مدرسته في مرحلة الاستعمار بمدينتنا سنة 45-1946.

إنه بصراحة كان يعلمنا أولا أن الدراسة هي قعر وعي المواطنة.. هي البذرة الأولى للوطنية.. إنه درس بليغ لم أسبر أغواره إلا بعد أن طالبتموني بتقديم هذه الشهادة.

y ظاهرة الأجنبي: أيها السادة، أيتها السيدات. تعلمون أن النهضة والهداية مدرستان وطنيتان حرتان لم ندرس بهما إلا على أيدي أساتذة عرب: مغاربة ومشارقة ولم نتعرف على الأستاذ الأجنبي كما تعرف عليه زملاؤنا في التعليم العام بسلكيه الابتدائي والثانوي.

وقد اكتشفنا متأخرين، ولأول مرة الأجنبي في صورة أستاذنا الفرنسي «جون بيير جودون» أستاذ اللغة الإنجليزية في سنتي 70-1971 و71-1972 ولأول مرة صدمنا الأجنبي بلغته اليومية: الفرنسية، وبحيويته في العمل، وبنظافته، وبتطويره لعلاقته الإنسانية معنا.. وبطرحه علينا أسئلة تتعلق بأجسادنا كترك الشارب أو حلقه عند صديقي الأستاذ إبراهيم الحضرمي...

وهذه أمور أذهلتنا، نحن طلبة الهداية المعربين الذين لم يتعودوا على رؤية الأجنبي في أقسامهم.

z ظاهرة المؤسسة الأسرة: بحكم صغر مؤسستنا الهداية، وبالتالي قلة تلامذتها وكذا قلة عدد أساتذتها... فقد كانت أشبه بالأسرة وأبعد عن المؤسسة بمفهومها الحديث. فقد كانت تجمعنا علاقات أسرية على مستوى الفصل، وفي ملعب كرة القدم البلدي.. أو في ملاعب الأحياء مع الأستاذين الصديقين عبد الوهاب الواصف وأحمد الهسكوري خصوصا في سنتي 71 و1972.

كما كانت مكتب مديرنا المرحوم الهسكوري أشبه بمكتب رب الأسرة، ففيه تصدر التوجيهات وتحل المشكلات التربوية وغيرها.. ولا يمكن للمتحدث مع الفقيه الهسكوري إلا أن يتأثر بطقوسه: تناول كؤوس الشاي المستلذة والتعطر بماء الورد.

إلا أن أسرتنا هذه لم تسلم من بعض الطرائف.. وهذه واحدة منها وقعت لي مع أستاذي أحمد الهسكوري في سنة 1972 حينما طلب إلينا في مادة الاجتماعيات رسم خريطة لدول «البنلكس» ولما كان حينذاك المرجع الذي نعتمده بالعربية هو مرجع الدكتور «عبده النادي» فقد نقلت منه خريطة دول «البنلكس» وكانت صغيرة الحجم.. فعلق عليها مازحا «كل عام وأنتم بخير» فاستفسرته في فترة الاستراحة عن معنى ذلك: فعاتبني برفق، وهو يقول لي هل تلك خريطة أم بطاقة بريدية؟؟

وحز الأمر في نفسي، وأضربت عن المشاركة في القسم، وغيرتُ مكان جلوسي من الأمام إلى الخلف، كاحتجاج صامت... لكنني لما مارست التعليم وجدت مسوغا لما قام به الأستاذ أحمد الهسكوري آنذاك وفهمته... لأن الأستاذ – مهما حاول- لا يمكنه أن يعرف ويطلع على نوايا تلاميذته وما يعتمل في قلوبهم وعقولهم ونفوسهم.

أيها السادة أيتها السيدات:

رحم الله مديرنا الفقيه الهسكوري الذي أتذكر وصيته الأخيرة وهو يلفظ آخر أنفاسه بعدم الخطابة على قبره يوم دفن جثمانه.. رحم الله أساتذتنا وأصدقاءنا ممن قضوا نحبهم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

هوامش:

1)   تقديم جريدة أنوال.               

 



* نشرت بجريدة أنوال 20-6-1996، ص: 6.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

المجموع: | عرض:
الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0