«عــودة آدم» لعبد الرحيم الخصار: توسـل الشعـر بالصـور
 
image
 

 

[أ] زؤان. حنطة وشعير!: أصبح اليوم، من النادر أن تجد ديوان شعر يتيح لك قراءته بشغف وباستمتاع. كثير من الناس يكتبون كثيرا من الشعر، أو هكذا سموه، بمن فيهم شعراء، لهم كتب شعرية، وحاضرون بالاسم في كل مكان، لكن الشعر، بما هو قيمة جمالية، وإضافة أو مغايرة للسياق الشعري الجمالي العام، أو لغة فيها تخييل ونغم، أو إيقاع وبناء شعري، صار نادرا، أو صار زؤانه مختلطا بحنطته وشعيره، ولم يعد، من الممكن، غربلة هذا الخليط، إلا بقراءة كل ما تراه أمامك، حتى وأنت غير مقتنع ببعضه، لأن معرفة الجيد، لا تحدث إلا بمعرفة المنحط وما لا قيمة له بالمطلق، أو ما لا وعد فيه بالشعر.
ثمة ظاهرة، لها علاقة بهذا السياق، هي ما تقرأه من كتابات لأشخاص، ولا تعرف لمن تقرأ بالذات. وجه يشبه كل الوجوه ولا وجه له. كتابة بلا ملامح، بلا لغة، وبلا اتجاه. مزق وأمشاج وتراقيع.
كل هذا، وغيره من الظواهر التي باتت لصيقة، ليس بالشعر، بل بالرواية، والقصة والنقد والتشكيل والموسيقى، وهي في جوهرها، تعبير عن انحطاط في الذوق، أولا، وفي المعرفة بالشعر، والكتابة والفن، عموما، كما أنها تشي بغياب القراءة والبحث، والإنصات لتجارب الآخرين، والرغبة في التعلم من كل الثقافات واللغات والتجارب، واكتشاف طبيعة كتاباتهم، وما تتأسس عليه رؤيتهم للعالم من مواقف وتصورات، بما فيها من إضافات واختراقات، قياسا بما في أيدينا، أو بما عرفناه، أو ما نحن بصدد الاشتغال عليه. بات النشر، اليوم، هو كل شيء، والكتب بعضها خارج من بعض، مثل ماء النهر الذي تتفرع عنه جداول، هي بذات طعم النهر، وروائح أعشابه، أو هي أقل حياة، بالأحرى، من ماء النهر نفسه، وهذا، لا يضيف شيئا للشعر ولا لغيره، لأنه كتابة بدون اسم، أو هي كل شيء ولا شيء.

[1] ضربة فرشاة

الذي أملى عليّ هذه المقدمة، هو ديوان الشاعر عبد الرحيم الخصار الأخير «عودة آدم»، الصادر عن دار المتوسط. فأنا قرأته كاملا، ودفعة واحدة، بدون حاجة للتوقف، الذي غالبا ما يكون اضطراريا، في الشعر، خصوصا، لأن حصى كثيرة تمنع عليك السير، وتجعلك تحذر ما هو آت، في ما أنت تقرأه.
فهذا الديوان، أولا نص واحد، طويل، يستغرق الكتاب كاملا، وهذا مؤشر دال على تملك الفكرة، أو الموضوع، وهو، ثانيا، مكتوب بلغة فيها ماء، كما سماها القدماء. وهي لغة سلسة، ومتدفقة بصورة تجعل الصور تفد عليك، بين الفينة والأخرى، مثل ضربات فرشاة صينية، رغم أنها لا تحتوي كل القماش ولا تخفيه، لكنها هي ما يبقى في العين، وكأنها برق خاطف، بقدر ما يعشي البصر ويعتمه، فهو يشعل العين، ويكشف ما فيها من نور وظلمة في الآن ذاته. فالعين في الديوان، هي مدار شعريته، وهي الكوة الوحيدة التي منها رأى آدم ما تركه خلفه من مآس، وما فاض عنه من ذرية عاثت في الكون فسادا. فالصورة، هي ما التجأ إليه الخصار، لأن طبيعة الفكرة، اقتضت أن يجرد آدم هذا الكون، في بعض مظاهره، ليعرف حجم ما كان سببه من فساد، لأنه، ربما، لم يندم على ارتكابه إثم السقوط، ومغادرة الجنة، مثلما ندم اليوم، وهو يرى ما يحدث بسبب خطئه، وكأنه هو من أنبت الفساد في الأرض:
«أغمضت عيني قليلا
فمرت القرون تباعا
كما لو أنها قطيع من الأبقار البرية
تتدافع متعجلة لتغرق في النهر
أغمضت عيني هناك
وفتحتها هنا».
فالأرض، كما رآها، آدم، بعد أن كثر النسل، وفاق ما كان يتوقعه، صارت «دمعة كبيرة». في الصور، إذن، ما يضاعف الدلالة ويوسعها، أو يفتحها على أكثر على جرح آدم، وعلى حلمه الذي كان محض كابوس. وهنا تظهر الاستعارة، التي هي توسل للشعر بالصور، وهذا ما يحدث في هذا العمل الشعري، تحديدا.

[2] بعين آدم نفسها

يلعب السؤال، في النص، دور الحافز لتوليد الصور، ولما يتناسل عنها من تعابير تتيح استعراض ما يجري، في لغة لا تسقط في النثرية الصرفة، أو في السرد الاستعراضي، بل إن بناء النص كان، منذ بدايته، يعتمد السرد كاستراتيجية لتفادي الوصف المباشر، أو قول الأشياء بنوع من التقرير النثري البارد، الضدي لا حياة فيه، كما يحدث للكثيرين ممن يذهبون إلى السرد، بدون تنخيله من التقرير، والتصوير السطحي الذي يصبح فيه الواقع هو ما يقود اللغة، وليست اللغة من تقود الواقع وتخلقه. عبد الرحيم الخصار، في اعتماده استراتيجية السرد، أدرك أن الشعر ليس هو الرواية، وأن الوصف في الشعر، لا يفيد في بناء الصور، لذلك، فهو غلّب التصوير، على التقرير، وقاد آدم من يده مثل أعمى، ليعبر به طريق الوجود، وفق ما يراه الخصار بعين آدم نفسها.

[3] آثام الكتابة

كان الراحل عبدالله راجع، في تقديمه لديوان الشاعر محمد بوجبيري «عاريا أحضنك أيها الطين»، تساءل، هل يمكن اعتبار التصوير، في الشعر، هو بديل الوزن، خصوصا، في ما سمي بـ «قصيدة النثر». في ديوان «عودة آدم»، لا يحدث هذا. الصور لا تأتي معزولة عن الإيقاع، الذي يجري في النص بزواج في التركيب بين التعابير والمفردات، يجعل اللسان لا يتعثر بحصى كلام، لا انسياب فيه. وحين استعملت عبارة الانسياب، هنا، فأنا أردت من ورائها، التعبير عن إيقاع يجري بالمزاوجة، مثل جدولين يسيران في المجرى نفسه: الصورة التي تحدث في سياق بناء لغوي يشبه تقنية لكليب في الأغاني الجديدة، الصورة والغناء، والموسيقى هي في خلفية المشهد، لا نراها، ولكنها هي ما يعطي الصورة معناها، ويربطها بالشعر، لا بالسرد. السرد في آدم، هو سرد شعري، وهو أصل في الشعر. فملحمة «جلجامش»، باعتبارها النص الشعري الأول الذي وصلنا مكتوبا، كان شعرا بالسرد، لذلك، فهناك سرد شعري، وهناك سرد روائى، وعبد الرحيم الخصار، كان واعيا، في هذا الديوان، بالفرق بين الاثنين، فاعتمد شعرية المزاوجة هذه، لحماية الشعر من السرد الخطي، من جهة، ولفتح نصه على إيقاع، الصور تتناسل من خلاله، دائما، بتلك السلاسة التي تبقي الشعر شعرا، حتى وهو يتصادى مع غيره من الأنواع الكتابية الأخرى، أو يقضم من تفاحها، ما فيه آثام الكتابة.

[4] طوفان آدم

ليست مهمة الشاعر أن يقول العالم كما رآه، بل أن يقوله كما جاء، في تخلق البدايات. فهو يعود بالعالم إلى موقع السقطة الأولى، ليتصور حجم ما جرى من ماء تحت الجسر. فآدم، في هذا العمل، هو ذريعة فقط، حاول الخصار من خلالها أن يعيد قول العالم، لا من حيث جاء، بل إلى ما آل إليه من تشققات وتصدعات، وما حدث فيه من معتقدات، أفسدت العالم، وجرته نحو أفول مقبل، هو ما قال عنه آدم، بنوع من الريبة واللايقين، فـ:
«ربما لم يتبق الكثير من الوقت
في الساعة الرملية العظيمة
قد تندلع نار في بيدر
أو يفيض بركان
قد تتدانى الجبال من بعضها
أو يحتد غضب الرعد في السماء».
«ماء فوق ماء» طوفان آخر، يغسل وجه الأرض، ويمحو ما شابها من دم ودمار. فالضوء، حتما، غيّر لونه، أو لبس قميص الظلمة:
«وها أنا أحدق في الضوء الذي
يملأ عيني ظلاما».
السؤال الذي يتبادر إلى ذهن القارئ اليقظ، أعني قارئ الشعر، هو:
ــ هل آدم رأى العالم كله، أم قطعة من الأرض، فقط، وفي حالة ما إذا كان اكتفى ببعض الأرض، فما القطعة التي رآها، ليعتريه هذا اليأس من أحفاده، من دمه وشجرة نسبه التي سقط تفاحها وتآكل زهرها؟
في ما انساب من صور في النص، وما احتملته هذه الصور من أبعاد رمزية، باعتبار الشعر، كما يقول جان كوهن «هو شكل رمزي» يتبين لنا أن آدم اكتفى بقطعة من الأرض، كانت كافية ليدرك من خلالها أن العالم ليس بخير، وأن السقطة لم تفد في ردع البشر عن قطف الفواكه المحرمة، بل إن السقطة، كانت حتف الآلهة الفادح، حين أصبحت الأرض تضج بصخب الإنسان، هذا الذي خلقته السماء ليشقى بدل الآلهة. فماذا حدث، أن الآلهة فقدت قيادة الوجود، وفلت منها زمام الأرض، وباتت السماء مجرد شاشة كبيرة، خالية من الأصوات والصور، أو أصيبت بخرس الموتى ونحيبهم.

[5] سرير العدم

لعل ما افتتح به الخصار، ديوانه من كلام لألدوس هكسلي «قد يكون هذا العالم جحيم عالم آخر»، ما يفضح هذا المعنى الأنطولوجي لـ«عودة آدم»، غير المظفرة، بل المنفرة، لأن آدم، اكتشف، بعد قرون من النوم في سرير العدم، أن الجحيم هو الأرض، أو هذه القطعة من الأرض التي اكتفى بالنظر فيها، وشبع مما أتاه منها، فكان قراره الذي تركه مفتوحا على المجهول، أن يحل الطوفان، هو قرار الآلهة نفسه في أول الخلق، بأن تبيد الإنسان من على الأرض، لأنه طغى. فالساعة الرملية شرعت في الدوران، والطوفان في الطريق، لكن متى. فهذا هو مجهول نداء آدم.

[ب] أعز ما يطلب

عبد الرحيم الخصار، كما كنت كتبت سابقا، هو شاعر يكتب بإنصات إلى اللغة، يتأملها، ويأخذ منها ما به تكشف فتنها، أو ما تعقده اجتماع، كما يقول عبد القاهر الجرجاني، بين «أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة» و«تعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة». فالخصار، هو من يذهب إلى اللغة، ولا يتركها تأتي إليه، حتى لا تقول هي ما تريد، ويبقى هو بدون لسان، أو مجرد ناقل كلام، وهذا ما يحدث للكثيرين ممن اختلط عليهم الشعر بغيره من الكلام. وصار كل الكلام شعرا، في ما الشعر بات أعز ما يطلب.

٭ شاعر مغربي

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

المجموع: | عرض:
الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0