ميتافيزيقا الفساد
 
image
 

 

كثير من الناس في عصرنا الراهن يعيشون منعزلين عن قضايا عصرهم ، بل تجدهم يصنعون لأنفسهم حياة مزيفة ويغدون عبيدا لها بشكل من الأشكال ..

عبيد جدد في عبودية جديدة يشكلون بارادايم مستنسخ من حضارة مستنسخة ، يعيشون على التفاهات ، يعبدون أصناما جديدة بتوابل السياسة ، ويتيهون وراء أوهام سعادة مزيفة ..

حياتهم رتابة ، وواقعهم كآبة ، يموتون على أرصفة المقاهي ، ومقابر الحانات ، يثرثرون ، يدخنون ، يتهافتون وراء سراب المتعة ، وخداع الجسد المُوَضّب ..

ذلك راهن الصورة ، ونموذج لعولمة مزيفة ، تستهدف موت العقل وسيطرة الغريزة ، حيث تصبح اللذة إيروس الحضارة ، والكائنات الهشة نتاج  قهر مستور بحجاب رأسمالية متوحشة فلسفتها الفساد والإفساد ..

ميتافيزيقا الفساد ، إذن ، هي ميتافيزيقا عزلة قاسية يعيشها عالم اليوم بين الوهم والابتذال ، صراع الافتراض ، وحياة الافتراض هما البديل الوهمي للحياة الواقعية ..

مهما بدا لك عالم اليوم عالم السعادة والتقدم ، فهو بالمقابل عالم القلق والاكتئاب ، عالم يؤدي في نهاية المطاف إلى الاندحار أو الانتحار ..

تلك سمات السقوط في حبال الوجود المبتذل أو " الـوجـود الـزائـف " بتعبير مارتن هايدغر ، فالقلق مشروع سياسي آلهته المفسدون يهدف إلى تخريب العقل وإشاعة العبث ..

فالإنسان لم يعد يعرف من هو ومن يكون ، استسلم للفساد ، وبدأ يؤيده أو يسانده بالصمت أو الانسحاب ..

وفساد العالم العربي لاذ نحو الثرثرة ، وألقى بالممارسة في سجل التاريخ ، حيث أضحى المحارب للفساد عدوا للسلم الاجتماعي المزيف ، وقد نسي الإنسان العربي أن الهرم الاجتماعي الذي يدافع عنه مبني على الاستغلال والفوضى ، وأن ما يسميه سلما اجتماعيا هو حرب باردة بين طبقة حاكمة وأخرى محكومة ..

التفكير في الفساد ومناهضته لم يعد يغري العربي ، بل انساق في خدمته ، وحكم على نفسه بالعزلة المطلقة في ميتافزيقا الفساد ، وتوارى خلف البحث عن المتعة والتسلية ، تاركا مصيره بيد المفسدين ، ذاهبا إلى أبعد اليأس والحدود معتقدا بأن مصيره ليس بيده ، وإنما بيد قدر مرتّب ، متوهما أن حياته السعيدة خارج أسوار هذا الوجود ..

وهكذا يتوهم ضحية الفساد بأنه أنهى مسلسل الصراع الداخلي لسيكولوجيته المقهورة ، بل بالعكس ، فهو بهذه الطريقة يكون قد حكم على نفسه بالعبودية المطلقة ..

ميراني الناجي

    

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

المجموع: | عرض:
الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0