شاطئ الصويرية إقليم آسفي: وجهة بحرية تجمع بين الهدوء وجمال الطبيعة وعبق التاريخ

آسفي: عبد الرحيم النبوي
يبعد شاطئ الصويرية القديمة بحوالي 33، كيلومترا من مركز مدينة آسفي في اتجاه مدينة الصويرية وبالتي يحتل هذا الشاطئ الجميل موقعا استراتيجيا، كما انه يمتاز بجمال طبيعته وتنوعها المتمثلة في رماله الذهبية ومياهه الزرقاء الصافية وهوائه النقي، تشرف عليه ربوة ترسم منظرا خلابا.
مواصفات عديدة أهلت الشاطئ بان يكون مقصدا لعشاق البحر، و ممارسي بعض الرياضات البحرية، إضافة إلى بعض الهوايات الأخرى التي يجد أصحابها في امتداد الشاطئ متسعا لممارستها، غير أن هذا الامتياز الجغرافي، وما تزخر به من مؤهلات بيئية وسياحية وبحرية، لم يمنح منطقة الصويرية القديمة التابعة للجماعة الترابية لمعاشات إقليم اسفي المكانة السياحية لائقة بها، يحث لازالت المنطقة المذكورة بشاطئها الفسيح تعاني من إشكالات بنيوية وتنظيمية تعيق تحولها إلى وجهة سياحية حقيقية تليق بموقعها ومكانتها، حسب فاعلين الاقتصاديين و بيئيين.
فحينما يطل الزائر من على هضبة مدخل الصويرة القديمة، تستقبله طيور النورس البيضاء وهي تحلق مصارعة الريح الملازمة لهدا الموقع الخلاب، وكأنها تبدي إغراءاتها للسياح والزوار القادمين إلى هذا المنتجع الجميل، وتبدي من خلال أسرابها استعدادها الدائم من أجل أن تنوب عن أهل الصويرية القديمة في الترحيب بالقادمين إلى موقع الشاطئ الجميل، والذي تحول وفي زمان قياسي إلى احد أهم المنتجعات السياحية بإقليم أسفي، في ظل استقطابها لعدد من السياح الأجانب والدين أبهرهم سحر هذا الموقع الجميل.
ويرجع الفضل في تهيئة هذا الشاطئ الجميل إلى المجمع الشريف للفوسفاط الذي ساهم في تنميته، وفي هذا الإطار نوه رئيس الجماعة القروية لمعاشات بالصويرية القديمة ، بالمجهودات المبذولة من طرف جميع شركاء الجماعة القروية لجماعة المعاشات من أجل الإرتقاء بجودة شاطئ الصويرية القديمة على مستوى البنيات التحتية والتجهيزات والمرافق الصحية وجودة مياه السباحة ونظافة الشاطئ والتشوير والتربية البيئية والصحة والأمن وسلامة المصطافين والتنشيط، مؤكدا على أهمية العمل التشاركي بين المتدخلين، والذي مكن من الإرتقاء بجودة شاطئ الصويرية القديمة على جميع المستويات بتطبيق جميع المعايير والمقاييس المعتمدة مما أهله للحصول على اللواء الأزرق لسنوات متعددة ، موضحا أن تلك التدخلات جعلت شاطئ الصويرية القديمة يحظى بموقع متميز على المستوى السياحي الوطني والدولي، الشيء الذي خلق دينامية اقتصادية واجتماعية وسياحية جد هامة بالمنطقة ، مبرزا بان كل هذه المجهودات تجسد انخراط الجماعة القروية للمعاشات في بلورة الأهداف المسطرة الميثاق الوطني للمحافظة على البيئة والتنمية المستدامة.
فشاطئ الصويرية، الذي يمتد ما بين مصب نهر تانسيفت جنوبا والحصن البرتغالي شمالا، يعرف تتناسقا كبيرا على مستوى أصوات أمواجه هادئة، وحفيف أشجار الغابة المحيطة به، محدثة سمفونية تزيد الفضاء هدوء شاملا وتنشرح له صدور المصطافين الذين يحجون إليه بأعداد غفيرة كل موسم اصطياف من اجل استكشاف نفحات التاريخ وبقاياه التي تسمح للزائر باسترجاع لحظات تاريخية سحيقة، تشهد على قدم المكان وعبقرية الإنسان المبدع الذي مرّ من هذا المكان، فهؤلاء المصطافون يسارعون دوما للاستجمام بفضاء هذا الشاطئ لما يوفره من متعة تمتد امتداد النظر، برماله الذهبية مرتطمة بزرقة المياه الدافئة، مرورا بالغابة الكثيفة، وصولا إلى مصب النهر والمآثر العمرانية التي تنطّق الشاطئ، وتحيل الزائر على أحداث تاريخية شاهدة على تجذر هذا الفضاء المتناسق، في إشارة إلى المجال الغابوي الذي تتوفر عليه منطقة الصويرية القديمة، فضاء أخضر متنوع ترتع وسطه العديد من أنواع الوحيش، وكل هذه الأشياء تجعل الزائر يسافر مع الزمن عبر مخيلته بعيدا…”.
فعلى مقربة من الشاطئ، تتواجد قرية الصيادين، منجزة في إطار التعاون المالي الغير قابل للتسديد مع الحكومة اليابانية، كرمز للصداقة و التعاون بين اليابان و المملكة المغربية، و في إطار زيارة الصحراء المغربية لميناء الصويرية القديمة، وقفت هذه الأخيرة على عدد من المشاريع التي تم انجازها بدعم من الوكالة اليابانية، كوحدة صناعة الثلج، التي توفر للصيادين الثلج لحفظ اسماكهم، و كذلك قوالب الاسمنت التي يتم استعمالها كشعاب اصطناعية لتجديد المصايد و استدامتها، بالإضافة إلى مستودعات بحارة الصيد التقليدي لإيداع عدة و لوازم الصيد.
وبالقرب الشاطئ وعلى الضفة الجنوبية لمصب واد تانسيفت، تتواجد قصبة بن حميدوش، التي تزين الفضاء نباتيا كثيفا ومتنوعا، حيث تعيش وسط هذا المنبسط النباتي عدة أنواع من الوحيش، كالخنزير البري والحجل والأرنب، وقد بنيت قصبة بن حميدوش كما تؤكد ذلك معالمها، ومجموعة من المصادر التاريخية، على شكل مستطيل يطوقه سور عال وسميك، أقيمت عليه ثمانية أبراج للمراقبة، بشكل دقيق ومحكم، وفي وسط القصبة لا تزال دار العامل، التي كان يقيم بها أولاد بن حميدوش، عمال الشياظمة شاهدة على عراقة هذا الموقع، فكانت هذه الدار تضم مسجدا ومنارا هدما بعد سنة 1912، إضافة إلى مخازن و “أهرية” خاصة بالمحاصيل الزراعية والمواشي، وحديقة كانت تحتوي على العديد من الأشجار المثمرة والورود، لا تزال معالمها وطرق سقيها بارزة.
وتقدم قصبة بن حميدوش التي ترجح المصادر التاريخية أن يكون المولى إسماعيل، هو مؤسسها، نموذجا للفن المعماري المغربي الأصيل، بالعالم القروي، من حيث الشكل والهندسة ومواد البناء، كما تضع معطيات هامة، أمام المهتمين بدراسة مثل هذا النوع من القصبات، هذا إلى جانب ما يمكن أن تقدمه للزائر من مشاهد بانورامية، تجمع بين جمالية المكان، وانسياب مياه النهر، وتلاطمها بأمواج البحر.
لا تشكل قصبة بن حميدوش المعلمة العمرانية والأثرية الوحيدة التي تزخر بها منطقة الصويرية القديمة، بل توجد إلى جانبها معالم أخرى. فعلى بعد خمس كيلومترات من قصبة بن حميدوش توجد دار القائد الحاجي، أحد قياد الشياظمة، وتتوزع على عدة دور سكنية، ذات حصون مزخرفة ترجع هندستها ومواد بنائها، إلى نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن الماضي، فدور و قصبات هؤلاء القياد تمثل نموذجا للفن المعماري المغربي بالبوادي، مع وجود اختلافات طفيفة في الشكل الهندسي، والمواد التزيينية، تحددها ثروة وجاه كل قائد منهم، حسب ما يشير إليه الرحالة الأوربيون، وهذا النوع من البنايات المغربية الأصل، يختلف كليا عن النمط البرتغالي. والحصن البرتغالي المنتصب على الضفة الشمالية لشاطئ الصويرية القديمة شيده القبطان البرتغالي ( نونوش ) الذي كان أول حاكم لمدينة آسفي خلال 1519 م ، ويختلف هدا الحصن كليا عن البنايات المغربية من حيث شكله الهندسي ومواد بنائه وأشكاله التزيينية ومحتوياته. فهو يحتوي على مجموعة من المرافق، تتوزع بين مقر حاكم الحصن، وكنيسة، وبرجين للمراقبة، مثلت أرقى ما توصل إليه آنذاك الفن المعماري البرتغالي.