قراءة في مشروع قانون رقم 64.23 يتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان
د. عبد الاله عبده (باحث في السياسات العمومية للتهيئة والتعمير والإسكان)
مقدمة
أشارت المذكرة التقديمية المصاحبة لمشروع قانون رقم 64.23 يتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان ، الى المرجعية الأساسية التي تحكم إعادة موقعة الوكالات الحضرية و المتمثلة، من جهة، في التوجيهات الواردة في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020 والذي أكد فيه جلالته على ضرورة ربط المشاريع والمبادرات والإصلاحات بتحقيق النهوض بالتنمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، و الإسراع بإطلاق إصلاح عميق للقطاع العام ومعالجة الاختلالات الهيكلية للمؤسسات والمقاولات العمومية، قـصد تحقيق أكبر قدر من التكامل والانسجام في مهامها، والرفع من فعاليتها الاقتصادية والاجتماعية، وتنزيلا لمخرجات جلسة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة بتاريخ 17 أكتوبر 2023 والتي خصصت لقطاع التعمير و الإسكان ولاسيما تلك المتعلقة بإحداث 12 وكالة جهوية للتعمير والإسكان،
ومن جهة أخرى، في الاخذ بعين الاعتبار لملاحظات المجلس الأعلى للحسابات بخصوص إعادة تموقع الوكالات الحضرية؛ وتفعيلا للتوصيات المنبثقة عن الحوار الوطني حول التعمير والإسكان المتعلقة بإعطاء دفعة نوعية للتنمية والحد من التفاوتات المجالية من خلال اعتماد اليات تخطيط مرنة تسمح بالاستباقية، و تهدف الى انعاش التنمية الترابية و تطوير المشاريع المجالية المندمجة ذات القيمي المضافة و الجادبة للاستثمار، و ملائمة التخطيط المعتمد للمستويات المجالية
( الميتروبولات، المدن المتوسطة، المدن الصغيرة والمراكز الصاعدة، المدن العتيقة، المجالات الهشة …)، و تطوير حكامة مجالية قائمة على مبادئ التشاركية، المسؤولية، النجاعة، و القدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
يتكون المشروع من ستة أبواب موزعة كالتالي: الباب الأول الاحداث والتسمية والمقر، والباب الثاني: المهام، والباب الثالث: الإدارة والتسيير، والباب الرابع: الموارد والتنظيم المالي، والباب الخامس: الموارد البشرية، والباب السادس: أحكام مختلفة وانتقالية.
أولا: حول البعد المجالي أو في الحاجة الى تمثيليات القرب الإقليمية
انسجاما مع الهندسة الدستورية وميثاق عدم التمركز الإداري تنص المادة الاولى من مشروع قانون رقم 64.23 على التنظيم الجهوي لوكالات التعمير والإسكان على ” تحدث على صعيد كل جهة من جهات المملكة، مؤسسة عمومية تحث اسم الوكالة الجهوية للتعمير والاسكان.” وعلى غرار الوكالات الحضرية الحالية تتمتع الوكالات الجهوية بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وتخضع للوصاية والمراقبة المالية للدولة.
أما البعد المتعلق بالتمثيلية المجالية فقد نصت المادة الثانية على انه ” يتم إحداث تمثيليات للوكالة على صعيد عمالة أو إقليم أو أكثر، كلما اقتضت الضرورة ذلك، بعد مصادقة مجلس إدارة الوكالة المعنية” و بالرجوع، من جهة ، الى التراكمات التي حققتها الوكالات الحضرية الحالية على صعيد احداث تمثيليات الاقليمية و ملحقاتها في إطار التوجيهات الوزارية المتعلقة بأعمال سياسة القرب المجالي و تقريب الخدمات العمومية من المواطنين، و من جهة أخرى، لطبيعة اختصاصات الوكالات الجهوية، المحددة في الباب الثاني من هذا القانون، والتي تفترض تواجد تمثيليات القرب، بل العمل على احداثها على صعيد أقاليم المملكة لتحقيق عدالة مؤسساتية مجالية، الامر الذي يطرح بحدة وظائف هده التمثيليات و حجم تواجدها الترابي بين الاكتفاء بالتوزيع الترابي الحالي أو التعميم الكامل على جميع عمالات و أقاليم المملكة. ولعل الطرح الثاني يبقى الأكثر انسجاما مع مرجعية وغايات السياسة القطاعية خاصة مواكبة التحديات المجالية المطروحة على الصعيد المحلي والمتمثلة أساسا في:
- تنزيل الجيل الجديد ﻣﻦ ﺑﺮاﻣﺞ اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻟﺘﺮاﺑﻴﺔ، التي جاءت في خطاب العرش ل 29 غشت 2025، والذي ترتكز على ﺗﺜﻤﻴﻦ اﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺎت والمؤهلات اﻟﻤﺤﻠﻴﺔ، وتكرﻳﺲ اﻟﺠﻬﻮﻳﺔ اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ، واعمال ﻣﺒﺪأ التكامل واﻟﺘﻀﺎﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺠﺎﻻت وتكريس العدالة المجالية، من خلال إﻃﻼق ﻣﺸﺎرﻳﻊ اﻟﺘﺄﻫﻴﻞ الترابي المندمج في اﻧﺴﺠﺎم ﻣﻊ اﻟﻤﺸﺎرﻳﻊ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ الكبرى، التي ﺗﻌﺮﻓﻬﺎ ﺒﻼدنا؛
- الاستجابة لمقتضيات النموذج التنموي الجديد الذي يرمي الى تأسيس مجالات ترابية قادرة على التكيف و ترسيخ اسس التنمية، من خلال إعادة تنظيم متجدد للمستويات الترابية وتشجيع ترابطها، و تيسير تهيئتها المندمجة، وتحسين السكن وإطار العيش وتعزيز الربط بالشبكات والتنقل، و الحفاظ على الموارد الطبيعية وتقوية قدرات الصمود لدى المجالات الترابية أمام التغيرات المناخية؛ و كذا تجاوز المركزية المفرطة للتدبير الحضري و القروي، و للتدخلات المندرجة ضمن سياسات التعمير و الإسكان و التي تفترض وجوبا تنسـيق أو تفكيـر ممنهـج فـي تنزيلهـا علـى المسـتوى المحلـي؛
- الاستمرار في أداء المهام التقليدية: تخطيط وتدبير المجالات الترابية من خلال مقاربة تشاركية تشمل جميع الفاعلين المحليين دون استثناء القطاع الثالث (جمعيات المجتمع المدني المحلي، جمعيات التدبير المجالي …) بالإضافة للقطاعين الأول والثاني، وهي مهام لا يمكن بأي حال من الأحوال معالجتها على المستوى الجهوي دون الاعتماد على مقاربة تشاركية محلية من قبيل مقاربات أسفل الى أعلى “Bottom – up”؛
- المساهمة في تنزيل السياسة الوطنية لتيسير الولوج الى السكن ومحاربة السكن غير اللائق، والتي تعتبر من اهم السياسات الاجتماعية للقرب الى جانب السياسات الاجتماعية الأخرى المحلية بامتياز والمتمثلة أساسا في الصحة والتعليم والمبادرات التنمية المجالية.
بالنظر الى كل هذه التحديات، تظهر الحاجة المؤسساتية والوظيفية لتمثيليات القرب تغطي كافة التراب الوطني، وتجعل الهندسة التمثيلية الحالية للوكالات الحضرية على صعيد إقليم أو أكثر متجاوزة وغير قادرة على رفع التحديات الراهنة المتمثلة في اﻟﺘﺄﻫﻴﻞ اﻟﺸﺎﻣﻞ ﻟﻠﻤﺠﺎﻻت اﻟﺘﺮاﺑﻴﺔ، وﺗﺪارك اﻟﻔﻮارق اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻟﻤﺠﺎﻟﻴﺔ عن طريق اﻻﻧﺘﻘﺎل ﻣﻦ اﻟﻤﻘﺎرﺑﺎت اﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ ﻟﻠﺘﻨﻤﻴﺔ الى ﻣﻘﺎرﺑﺔ ﻟﻠﺘﻨﻤﻴﺔ اﻟﻤﺠﺎﻟﻴﺔ اﻟﻤﻨﺪﻣﺠﺔ خاصة للمجالات القروية.
وبالتالي فان الفقرة الثانية من المادة 2 من مشروع القانون رقم 64.23 يتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان لا تستجيب للحاجة الملحة لتمثيليات القرب. ولعل الصيغة الواردة في المادة 7 من القانون رقم83.21 المتعلق بالشركات الجهوية متعددة الخدمات تبقى الانسب “تعمل الوكالة على إحداث تمثيليات للقرب على مستوى كل عمالة أو إقليم يدخل ضمن مجالها الترابي، تتوفر على الوسائل والصلاحيات الضرورية لضمان جودة خدمات القرب الموكولة اليها”.
ثانيا: حول مهام واختصاصات الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان
ان قراءتنا لمهام الوكالة الجهوية للتعمير والإسكان، تقوم من جهة على مقارنة الاختصاصات التي نص عليها مشروع القانون 64.23 بالمقارنة مع المهام المحددة في الظهير الشريف رقم 1.93.51 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) معتبر بمثابة قانون يتعلق بإحداث الوكالات الحضرية. ومن جهة أخرى، محاولة تحديد أقطاب مهنبة كبرى على أساس الاختصاصات. هذا و ينبغي الإشارة الى ضرورة إقامة التمايز المجالي بين المهام الاستراتيجية والتي من المفروض معالجتها على صعيد الجهة ومهام القرب العملياتية، التي تعالج على صعيد الإقليم، الجماعة المحلية، والمراكز الحضرية والقروية أي المجالات التحت جهوية” niveau infra régional”.
- المقارنة الوظيفية:
ان سؤال الوظائف الجديدة للوكالات الجهوية طرح بحدة مند أكثر من عقدين، ولعل الإداري والسياسي والأكاديمي متفقون على ضرورة تطوير هذه الوظائف للاستجابة للتحولات الكبرى التي عرفتها بلادنا على الصعيد المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي. ان المقارنة بين الاختصاصات الحالية للوكالات الحضرية (11 اختصاصا) والاختصاصات المنصوص عليها في مشروع القانون 64.23 (14 اختصاصا) تبرز عددا من العناصر الجديرة بالاهتمام، بل قد تمكننا من استشراف تنظيم هيكلي للوكالات الجهوية على أساس اقطاب وظيفية.
تتوزع مهام الوكالة الجهوية للتعمير والإسكان طبقا لمشروع القانون 64.23 المحدثة بموجبه، وبالمقارنة مع الاختصاصات المنصوص عليها في الظهير الشريف رقم 1.93.51 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) معتبر بمثابة قانون يتعلق بإحداث الوكالات الحضرية، كما يلي:
- الاختصاصات والمهام التقليدية: ونجدها متطابقة بين الظهير المحدث للوكالات الحضرية ومشروع القانون المحدث للوكالة الجهوية. ويتعلق الامر من جهة في القيام بالدراسات الاستراتيجية والعملياتية، مع توطيد دور المؤسسة فيما يتعلق بالدراسات الاستراتيجية والاستشرافية، والتدبير الحضري والمراقبة طبقا للقانون رقم 66.12 يتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، خاصة فيما يتعلق باقتراح تعيين مراقبي التعمير (المادة 65 منه). والمساهمة في أي مؤسسة يطابق نشاطها الأهداف المرسومة للوكالة والمهام المسندة إليها.
- الاختصاصات المطورة: وهي اختصاصات تم تطويرها أو تحديدها أو تفصيلها ويتعلق الامر ب:
- برمجة مشاريع التهيئة المرتبطة بتحقيق الأهداف التي ترمي إليها وثائق التعمير (اختصاص تقليدي) مع إضافة اختصاص مواكبة المجموعات ذات النفع الاقتصادي، وكذا باقي الهيئات العامة والخاصة المنصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري العمل من أجل تنفيذ هذه المشاريع، بتنسيق مع السلطات والجماعات الترابية؛
- التنصيص على وضع وتنزيل مختلف البرامج الرامية الى محاربة السكن غير اللائق الامر الذي يوسع مجالات تدخل المؤسسة المنحصرة حاليا في عمليات إعادة هيكلة الأحياء المفتقرة إلى التجهيزات الأساسية؛
- تقديم المساعدة الفنية اللازم لحساب الدولة أو الجماعات الترابية أو أي شخص اعتباري آخر من أشخاص القانون العام أو الخاص، وهو اختصاص تقليدي أضيف اليه مهمة التأطير التقني؛
- تم التدقيق فيما يخص ” الدراسات اللازمة لمشاريع تهيئة قطاعات خاصة” من خلال التحديد، و لإبراز الأهمية و القيمية، من خلال ” المساهمة بتنسيق مع الفاعلين الترابيين المعنيين في إعداد الدراسات المتعلقة بجرد التراث المعماري المساهمة بتنسيق مع الفاعلين الترابيين المعنيين والمشهدي الجهوي والمحلي وحمايته ورد الاعتبار إليه وتثمينه؛” و الجدير بالذكر ان الوكالات الحضرية تقوم و بتنسيق مع الفاعلين الترابيين بمجموعة من الدراسات المندرجة في هذا الباب : دراسات رد الاعتبار للمدن القديمة
و الانسجة القديمة دراسات خاصة تهم النهوض بجودة الاطار المبني (المواثيق المعمارية)… - بالإضافة الى تقديم المعلومات والمعطيات، تم التأكيد على تقديم الدعم التقني اللازم والمواكبة الفعلية للسلطات والجماعات الترابية والهيئات المعنية في إعداد ومراجعة مختلف وثائق التخطيط والتنمية الترابي.
- الاختصاصات الجديدة: وهي مجموعة من الاختصاصات الجديدة والتي لا تجد أساسها في الظهير المحدث للوكالات الحضرية لسنة 1993، علما ان بعضها دأبت الوكالات الحضرية على القيام ببعضها في إطار الاستجابة للحاجيات الترابية كممارسات جيدة، ويتعلق الامر ب:
- المساهمة في تفعيل السياسة الوطني لتيسير الولوج الى السكن من خلال العرض السكني التي توفره وثائق التعمير وتبسيط مساطر البناء والتجزيء في العالمين الحضري والقروي؛
- القيام بالدراسة القبلية للمشاريع الاستثمارية سواء ذات الطابع العام أو الخاص، قبل إيداع ملفات طلبات الحصول على الرخص والأذون المتعلقة بها، وهي ممارسة جيدة جاري بها العمل على صعيد مقرات الوكالات الحضرية أو عن بعد؛
- المساهمة في إعداد التصورات حول العرض الترابي الجهوي بتنسيق مع مختلف الفاعلين الترابيين المعنيين وكذا المساهمة في برمجة تنفيذه، في هذا الصدد تقدم الوكالات الحضرية حاليا عروض ترابية صناعية،
ولوجستيكي، وسياحية وعقارية على أساس ما توفره وثائق التعمير المصادق عليها، مع محاولة تسويقها ترابيا؛
- المساهمة في إعداد التصورات حول العرض الترابي الجهوي بتنسيق مع مختلف الفاعلين الترابيين المعنيين وكذا المساهمة في برمجة تنفيذه، في هذا الصدد تقدم الوكالات الحضرية حاليا عروض ترابية صناعية،
- المساهمة في إعداد الاستراتيجيات والبرامج المتعلقة بتأهيل وتنمية المجالات القروية وبلورتها في إطار مشاريع بالمجالين الحضري والقروي، في هذا الصدد تدخل عدد من الدراسات الخاصة التي تقوم بها الوكالات الحضرية من قبيل المشاريع الحضرية، ودراسات التجديد …؛
- رصد الديناميات المجالية وجمع وتحليل المعطيات وتحديد المؤشرات المجالية وتعميمها ونشرها: لعل اغلب الوكالات الحضرية بلورت بطلب من الفاعلين المحليين والجهويين، أو للضرورية التي تقتضيها الدراسات التي تقوم بها على تجميع قاعدة بيانات مجالية لعلها الأهم على صعيد جميع الأقاليم كما طورت في هذا الصدد عددا من الاليات المهمة لرصد الديناميات المجالية مثل الخرائط الموضوعاتية، قواعد البيانات المحينة، والاطلس الجغرافي…
- اختصاصات محذوفة ولم تمارس قط من طرف الوكالات الحضرية: يتعلق الامر باختصاص وحيد لم تمارسه الوكالات الحضرية قط ولم يتناول مشروع القانون الجديد والمتمثل في مساعدة الهيئات المنتخبة المعنية بتشجيع إنشاء وتطوير جمعيات الملاك، بجعل الأطر الضرورية رهن إشارتها قصد تيسير تنفيذ وثائق التعمير والسعي بوجه خاص لإحداث جمعيات نقابية تطبيقا للتشريع الجاري به العمل في هذا الميدان والحرص على متابعة العمليات التي تقوم بها هذه الجمعيات وذلك بتنسيق مع الهيئات المنتخبة المذكورة.
- تحديد الأقطاب المهنية على أساس طبيعة المهام والاختصاصات:
إن مقاربة المجموعات المنسجمة للوظائف والمهام المنصوص عليها في المادة 3 تحيل الى مجموعة اقطاب متخصصة نرصدها كالتالي: قطب التخطيط المجالي والبرمجة، قطب التدبير المجالي والمراقبة، قطب دعم السياسة الوطنية للسكن ومحاربة السكن غير اللائق، قطب المساعدة والمساهمة والشراكة، قطب اليقظة المجالية والتحسيس.
ان المقاربة المتكاملة للبعد الوظيفي وتحديد المهام أو أقطاب المهام يجب ان تأخذ بعين الاعتبار الملاحظات الأساسية التالية:
- ان مقاربة البعد الوظيفي لا ينبغي ان تقتصر على الاعتماد فقط على المادة 3 من مشروع القانون رقم 64.23 يتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان بل يجب ان يمتد ، من جهة، الى المادة7 (البعد الاستراتيجي
و الحكامة) و المادة 8 (الحكامة الإدارية و المالية) من الباب الثالث المتعلق بالإدارة و التسيير، على اعتبار أن الاختصاصات المسطرة في المادتين سالفتي الذكر، التي تهم المجلس الإداري، تعتبر تنزيلا للمقتضيات الميثاق المغربي للممارسات الجيدة لحكامة المنشآت و المؤسسات العامة، و تحيل بالضرورة الى مهام و وظائف ينبغي توطينها على صعيد الهيكل التنظيمي للوكالة الجهوية و تمثيلياته الإقليمية في قطب خاص بالاستراتيجية
و الحكامة؛ - لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار الوظائف والخبرات الجديدة التي مارستها الوكالات الحضرية الحالية أو التي ينبغي تطويرها للاستجابة للمهام المسطرة في مشروع القانون 64.23، مثل الخبرات المهنية في مجال الدراسات والتنمية، والخبرة التشاركية، والتواصل المؤسساتي…والتي ينبغي موقعتها في الهيكل التنظيمي الجديد مع مراعات الحكامة المؤسساتية والفعالية الوظيفية؛
- ان مقاربة المهام و الاختصاصات و الوظائف و الخبرات يجب أن تقيم التمايز بين الاختصاصات الاستراتيجية أو الموجبة للتعاقد، التي تمارس على المستوى الجهوي ، والاختصاصات العملياتية للقرب التي تقع لزوما على عاتق التمثيليات الإقليمية و تهم ، من جهة، التدخلات الموجهة للزبناء المحليين (المواطنات و المواطنين، المقاولين، الجماعات الترابية الحضرية و القروية و المراكز الحضرية و القروية و المراكز الناشئة الواقعة في نطاقه…).، و من جهة أخرى، أدوار التتابع” relais le” لتوطين السياسة القطاعية محليا، و تجميع و رفع المعلومات المتعلقة بالديناميات و الخصوصيات المحلية، و الاحتياجات المجالية للمستوى الاستراتيجي.
ثالثا: تدبير الإدارة والموارد البشرية والمرحلة الانتقالية
قمنا في هدا المحور بأبداء ملاحظاتنا على الأبواب الثالث والرابع والخامس من مشروع القانون والتي تتطرق تباعا للإدارة والتسيير (الباب الثالث)، والموارد والتنظيم المالي (الباب الرابع)، والموارد البشرية (الباب الخامس) وهي أوجه متكاملة لتدبير الإدارة والموارد البشرية. كما عمدنا الى مقاربة مقارنة بين المضامين المندرجة في هذا الصدد
والواردة في كل من الظهير الشريف رقم 1.93.51 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993)، ومشروع القانون رقم 64.23 يتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان.
يتناول الباب الثالث المتعلق بالتسيير الإداري تشكيلة المجلس الإداري للوكالة الجهوية للتعمير والإسكان (المادة 5) المقلصة بالمقارنة مع تشكيلة المجلس الإداري للوكالات الحضرية الحالية، مع التركيز على التمثيلية الجهوية مقابل تراجع أنواع التمثيليات المحلية. وان كان هذه المقاربة تزكي الاختصاص الجهوي وتيسر اتخاذ القرار الا انها تهمل حتما تمثيلية المجالات الترابية الحضرية والقروية التحت جهوية ” infra régional “،عكس التشكيلة السابقة التي تضمن، على سبيل المقال، في المادة 5 مشاركة ممثلي مجالس الجماعات القروية بنسبة ممثل لكل عشر جماعات قروية.
وتحدد المادة 6 على سبيل الحصر صلاحيات وسلط المجلس الإداري، عكس المادة 6 من الظهير الشريف رقم 1.93.51 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) معتبر بمثابة قانون يتعلق بإحداث الوكالات الحضرية الذي نص على تمتع المجلس الإداري للوكالة بجميع السلط والصلاحيات اللازمة لإدارة الوكالة بصيغة العموم.
فيما يتعلق بالموارد والتنظيم المالي تبقى مقتضيات النصين متشابهة في هذا الباب الا فيما يخص عدم التنصيص، في مشروع القانون 64.23 على ممارسة الشفعة بالنسبة للعقارات المبيعة الواقعة داخل حدود نطاق اختصاصها (إمكانية تعزيز العقار العمومي لتسيير تنزيل مقتضيات وثائق التعمير خاصة فيما يتعلق بإحداث التجهيزات الأساسية).
فيما يتعلق بالموارد البشرية (المادتين 15 و16)، فبالإضافة الى المستخدمين والموظفين المنتمين للإدارات العمومية الملحقين، يتألف مستخدمو الوكالة الجهوية أيضا من المتعاقدين (مستخدمين، خبراء ومستشارين)، بالإضافة الى التنصيص على الدمج التلقائي لمستخدمي ومتعاقدي الوكالات الحضرية الحالية المعنية ضمن مستخدمي الوكالة الحضرية الجهوية. ولعل الملاحظة الأساسية في هذا الباب تتمثل في عدم تضمين مشروع القانون 64.23 لمقتضيات الظهير الشريف رقم 1.21.58صادرفي 3 ذي الحجة 1442 (14 يوليو 2021 (بتنفيذ القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية خاصة المواد 17، و18، و19 المتعلقة بتدبير الموارد البشرية خاصة ما يتعلق بالتدبير على أساس الأهداف، وتوفير بيئة ملائمة لعمل للموارد البشرية، واتخاذ التدابير اللازمة لتأطير وتقوية قدرات الموارد البشرية عبر برامج منتظمة للتكوين.
تسري مقتضيات المرحلة الانتقالية بمجرد دخول مشروع القانون 64.23 حيز التنفيذ، طبقا للمادة 24، أي مباشرة بعد انعقاد المجلس الإداري للوكالة الجهوية وتعيين مديرها العام. تهم هذه المقتضيات من جهة، انتقال الممتلكات العقارية والمنقولة والأصول المملوكة والحقوق والالتزامات والأعمال والاتفاقيات السارية المفعول التي تهم الوكالات الحضرية الحالية الى الوكالة الجهوية المعنية، ومن جهة أخرى، تهم تدبير مختلف الجوانب الإدارية والمالية للمستخدمين بواسطة القوانين الأساسية الحالية مع تجميد العمل بالهياكل التنظيمية.
الخاتمة:
ويبرز مشروع قانون رقم 64.23 يتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، كلبنة أولى لمشروع اصلاح قطاعي شامل لا يهم فقط مجال التعمير بل يمتد لقطاعات إعداد التراب الوطني والتعمير والاسكان وسياسة المدينة، باعتبارها تشكل مسلسلا “Processus ” قائم على أساس مرجعية قطاعية واحدة تقوم على مركزية المواطن وأولوية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
يعد مشروع قانون رقم 64.23 يتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، إحدى اللبنات الأولى لإصلاح شامل لمنظومة التعمير والإسكان، والتي حددت محاورها وابعادها توصيات الحوارات الجهوية حول التعمير والإسكان المنعقدة سنة 2022 والتي تناولت الموضوعات الأساسية المطروحة بالنسبة للتخطيط والحكامة، وعرض السكن، ودعم العالم القروي والحد من الفوارق المجالية، والرقي بجودة الإطار المبني.
ولعل القادم من الأيام سيحمل نقاشات مهمة حول مستقبل هذه المؤسسات المحكوم بالتجاذب الحاد بين الجهوية كخيار مؤسساتي وطني، والحضور المحلي للقرب لضمان جودة الخدمات المقدمة ومصاحبة المجالات القروية والحضرية في مسارات التخطيط والتدبير والتنمية الترابية المندمجة. الامر الذي يجعل من احترام التوازنات التنظيمية والوظيفية بين الجهة وتمثيلياتها المدخل الاول لإنجاح ورش إعادة موقعة الوكالات الحضرية، بالإضافة الى مدخل ثاني لا يقل أهمية والمتمثل في الرقي بالوضعية الاعتبارية والاقتصادية والاجتماعية للموارد البشرية من خلال اخراج القانون الأساسي الموحد لهذه المؤسسات يستجيب لتطلعاتها.
لقد راكمت الوكالات الحضرية الحالية تجربة مهمة في التعامل مع إشكاليات التعمير والبناء والتجهيز، المتجددة باستمرار، وفرضت نفسها من خلال جهود المصاحبة وتقديم المساعدة التقنية كفاعل أساسي في المنظومة المحلية والجهوية، الا ان تحقيق التحول المؤسساتي يفرض إدارة للتغيير “conduite de changement ” تتناسب مع التحولات التنظيمية والوظيفية وكذا تدبير الموارد البشرية.
المراجع المعتمدة
- خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020
- خطاب العرش ل 29 غشت 2025
- الظهير الشريف رقم 1.93.51 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) معتبر بمثابة قانون يتعلق بإحداث الوكالات الحضرية
- الظهير الشريف رقم 1.21.58صادرفي 3 ذي الحجة 1442 (14 يوليو 2021 (بتنفيذ القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية
- الظهير شريف رقم1.23.53 صادر في23 من ذي الحجة 1444 )12 يوليو 2023) بتنفيذ القانونرقم83.21 المتعلق بالشركات الجهوية متعددة الخدمات
- قانون رقم 66.12 يتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء
- مشروع القانون رقم 64.23 يتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان
- الميثاق المغربي للممارسات الجيدة لحكامة المنشآت والمؤسسات العامة
- النموذج التنموي الجديد، التقرير العام، ابريل 2021
- النموذج التنموي الجديد، المذكرات الموضوعاتية، ابريل 2021