السعي بين الصفا والمروة.. رحلة إيمانية تستحضر الصبر والتوكل في قلوب الحجاج
مكة المكرمة: عبد الرحيم النبوي
يشكل السعي بين الصفا والمروة إحدى أبرز محطات الحج والعمرة، حيث يؤدي ملايين الحجاج والمعتمرين هذا النسك اقتداءً بالسيدة هاجر التي جسدت أسمى معاني الصبر والثقة بالله وهي تبحث عن الماء لابنها إسماعيل في وادٍ قاحل، قبل أن يفجر الله لهم ماء بئر زمزم الذي لا يزال ينبض بالحياة حتى اليوم.
ويبدأ الحجاج السعي من الصفا متجهين إلى المروة في سبعة أشواط متتالية، يقطعون خلالها مسافة تقارب 3.15 كيلومترات ذهابًا وإيابًا. وخلال هذه الرحلة التعبدية، تتجسد معاني الخشوع والذكر والدعاء، بينما تمتزج مشاعر الأمل والسكينة في أجواء روحانية فريدة داخل المسجد الحرام.
يرتبط السعي بقصة هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام، وهي القصة التي تحولت إلى رمز خالد للتوكل على الله والأخذ بالأسباب. فقد سعت هاجر بين الصفا والمروة سبع مرات بحثًا عن الماء، لتأتي الاستجابة الإلهية بظهور زمزم، ويصبح هذا الحدث جزءًا من الشعائر التي يؤديها المسلمون إلى يومنا هذا.

ويؤكد مختصون في الشؤون الإسلامية أن السعي لا يقتصر على كونه حركة جسدية بين جبلين، بل يمثل استحضارًا لقيم الإيمان والصبر والاجتهاد، ويعكس العلاقة بين العمل والرجاء في رحمة الله.
في أروقة المسعى تتلاقى جنسيات وثقافات متعددة، لكن يجمعها هدف واحد هو أداء الشعائر بخشوع وطمأنينة. وتبرز مشاهد الدعاء والذكر والتأمل بين الحجاج، فيما يحرص كثيرون على استثمار هذه اللحظات في استحضار معاني التضحية والإخلاص التي تجسدها قصة هاجر.
ويصف عدد من الحجاج تجربة السعي بأنها من أكثر لحظات الحج تأثيرًا في النفس، لما تحمله من رمزية إيمانية عميقة تربط الماضي بالحاضر، وتجعل الحاج يعيش تفاصيل قصة خالدة شكلت جزءًا من تاريخ الرسالة الإسلامية.
يبقى السعي بين الصفا والمروة أكثر من مجرد انتقال بين نقطتين؛ فهو درس متجدد في الثقة بالله، والعمل الدؤوب، وعدم اليأس أمام التحديات. ومع كل شوط يقطعه الحاج، تتجدد معاني الصبر والأمل، في مشهد إيماني يجسد وحدة المسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم إلى بيت الله الحرام.
وبين الصفا والمروة، يواصل الحجاج رحلة روحية عميقة، يستلهمون منها قيمًا إنسانية وإيمانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتبقى هذه الشعيرة إحدى أبرز المحطات المؤثرة في تجربة الحج.