الصويرية القديمة.. حين يلتقي التراث بالموسيقى وسحر البحر في صيف آسفي

 الصويرية القديمة.. حين يلتقي التراث بالموسيقى وسحر البحر في صيف آسفي

 

آسفي : عبد الرحيم النبوي

تتحول الصويرية القديمة، بإقليم آسفي، يومي 20 و21 غشت 2026، إلى فضاء مفتوح للاحتفال بالموسيقى والتراث، من خلال سهرات فنية تنطلق ابتداء من الساعة 21:30 ليلاً، بمشاركة عدد من الأسماء الفنية، من بينها محمد المحفوظي، الزوبيد، الستاتي وسعيد ولد الحوات، وذلك تحت شعار: «تراث.. ثقافة.. فن».

ولا تبدو هذه التظاهرة مجرد موعد فني صيفي، بل مناسبة لاكتشاف واحدة من الواجهات الساحلية التي تجمع بين البحر والطبيعة والتاريخ، وتمنح زوارها تجربة تتجاوز الاستجمام إلى استعادة ذاكرة المكان.

من الشاطئ إلى المنصة.. صيف بنكهة فنية

على بعد نحو 33 كيلومتراً من مدينة آسفي في اتجاه الصويرية، يمتد شاطئ الصويرية القديمة وسط مشهد طبيعي يجمع الرمال الذهبية بزرقة المياه، فيما تمنح المرتفعات المحيطة بالموقع الزائر إطلالات بانورامية على الساحل.

ومع حلول المساء، تتغير ملامح المكان؛ فهدير الأمواج ونسائم البحر يتحولان إلى خلفية طبيعية لسهرات تستعيد إيقاعات من التراث المغربي، في مشهد يزاوج بين متعة المصطافين وحيوية الفعل الثقافي.

وتشكل هذه البرمجة الفنية فرصة لتعزيز حضور الصويرية القديمة كوجهة صيفية، خصوصاً أن المنطقة تستقطب خلال موسم الاصطياف أعداداً مهمة من الزوار، من داخل المغرب وخارجه.

شاطئ لا يختصر في البحر

تتميز الصويرية القديمة بتنوع مؤهلاتها الطبيعية، إذ لا يقتصر جاذبها على السباحة والاستجمام. فالمنطقة توفر فضاءات لممارسة عدد من الأنشطة والهوايات البحرية، إلى جانب امتداد غابوي يضفي على المشهد الساحلي بعداً بيئياً مميزاً.

وتحضر طيور النورس بقوة في المشهد، وهي تحلق فوق الساحل وترافق الزائر منذ اقترابه من المنطقة، في صورة أصبحت جزءاً من هوية المكان البصرية.

أما البحر، فيبقى العنصر الأكثر حضوراً؛ فهو يمنح الصويرية إيقاعها اليومي، ويشكل نقطة التقاء بين السياحة والاستجمام والصيد التقليدي والأنشطة المرتبطة بالساحل.

قرية الصيادين.. ذاكرة البحر في قلب المكان

وعلى مقربة من الشاطئ، تبرز قرية الصيادين باعتبارها أحد المكونات الأساسية للمشهد المحلي، بما توفره من فضاء مرتبط بالصيد التقليدي وبحياة البحارة.

وتضم المنطقة تجهيزات ومرافق موجهة لخدمة الصيادين، من بينها وحدة لإنتاج الثلج تساعد على حفظ المصطادات، ومستودعات لإيداع معدات الصيد، إلى جانب مشاريع مرتبطة باستدامة الموارد البحرية.

وهنا تتقاطع السياحة مع الاقتصاد المحلي؛ فالشاطئ ليس فقط فضاءً للترفيه، بل جزء من منظومة اجتماعية واقتصادية ترتبط بالبحر وبمهن توارثتها المنطقة عبر أجيال.

قصبة بن حميدوش.. التاريخ يطل على البحر

غير بعيد عن الساحل، وعلى الضفة الجنوبية لمصب واد تانسيفت، تقف قصبة بن حميدوش شاهدة على تاريخ المنطقة وعلى نموذج من العمارة المغربية في المجال القروي.

وتتميز القصبة بتصميم مستطيل تحيط به أسوار مرتفعة وسميكة، تتخللها أبراج للمراقبة. كما تضم بقايا منشآت كانت مرتبطة بالحياة الإدارية والاقتصادية للموقع، من دار العامل إلى المخازن والفضاءات الزراعية.

وتنسب بعض المصادر التاريخية تأسيس القصبة إلى عهد السلطان المولى إسماعيل، فيما تجعل بنيتها المعمارية منها محطة مهمة للمهتمين بتاريخ العمارة المغربية وتطور أنماط التحصين في البوادي.

الأهم أن قيمة القصبة لا تتوقف عند الحجر؛ فموقعها يمنح الزائر مشهداً يلتقي فيه النهر بالبحر، وتتحول فيه المعلمة التاريخية إلى جزء من لوحة طبيعية مفتوحة.

من دار القائد إلى الحصن البرتغالي

وتتوزع في محيط الصويرية القديمة معالم أخرى تستحق التوقف، من بينها دار القائد الحاجي، التي تعكس جانباً من العمارة المرتبطة بقياد منطقة الشياظمة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وعلى الضفة الشمالية للشاطئ، يحضر الحصن البرتغالي كعلامة معمارية مختلفة تماماً، تعكس مرحلة من تاريخ آسفي والساحل المغربي.

وبين العمارة المغربية الأصيلة والتحصينات ذات الطابع البرتغالي، تبدو الصويرية القديمة أشبه بكتاب مفتوح؛ فكل موقع فيها يروي فصلاً مختلفاً من تاريخ المنطقة وتعدد الحضارات والتأثيرات التي مرت بها.

حين يصبح التراث رافعة للسياحة

إن تنظيم السهرات الفنية في الصويرية القديمة يكتسب أهميته من كونه يضع الثقافة والتراث والسياحة في فضاء واحد.

فالزائر الذي يأتي للاستمتاع بالموسيقى يمكنه أن يكتشف الشاطئ، وقرية الصيادين، والمشهد الطبيعي، والقصبات والمعالم التاريخية. وبذلك تتحول التظاهرة من مجرد سهرة موسيقية إلى فرصة للتعريف بالمؤهلات المتعددة للمنطقة.

كما أن استمرار الاهتمام بتأهيل الشاطئ، وتحسين بنياته وتجهيزاته، والعناية بالنظافة وجودة مياه السباحة والتشوير والسلامة والتنشيط، يساهم في ترسيخ جاذبيته كوجهة سياحية.

الصويرية القديمة.. وجهة تبحث عن مزيد من الضوء

بين موسيقى السهرات، وصوت الأمواج، وتحليق النوارس، وحكايات القصبات والحصون، تقدم الصويرية القديمة نموذجاً لمجال يمكن أن تتكامل فيه الثقافة والسياحة والاقتصاد المحلي والبيئة والتراث.

ويبدو التحدي الأكبر اليوم هو تحويل هذا الرصيد المتنوع إلى تجربة سياحية مستدامة، تجعل من الصويرية القديمة وجهة قائمة بذاتها، وليس مجرد محطة عابرة على الساحل الآسفي.

وفي انتظار أن تصدح الموسيقى مساء يومي 20 و21 غشت، يبقى البحر شاهداً على حكاية المكان: شاطئ يحتضن الحاضر، وتراث يستعيد الماضي، وثقافة تفتح الطريق نحو المستقبل.

الصويرية القديمة ليست شاطئاً فقط.. إنها حكاية آسفية تُروى بالموج والموسيقى والتاريخ.

 

سعيد الجدياني

https://www.assif.info

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *