حين يُحذف المنصب وتبقى المسؤوليات.. هل يتحول الخصاص الإداري إلى عبء على مدير المؤسسة؟

 حين يُحذف المنصب وتبقى المسؤوليات.. هل يتحول الخصاص الإداري إلى عبء على مدير المؤسسة؟

 

اسفي: عبد الرحيم النبوي

في الوقت الذي تتجه فيه المنظومة التربوية إلى ترشيد الموارد البشرية وتعزيز الحكامة والرفع من نجاعة التدبير، تبرز داخل عدد من المؤسسات التعليمية إشكالية تبدو في ظاهرها إدارية، لكنها سرعان ما تتحول إلى سؤال يرتبط بجودة التدبير وسلامة التلاميذ وحدود المسؤولية المهنية.

إنها إشكالية شغور بعض المناصب الإدارية، وفي مقدمتها منصب الحارس العام، مع استمرار المهام المرتبطة به دون تغيير.

فحين يغيب الحارس العام، لا تختفي مهام تتبع الحياة المدرسية، ومراقبة الحضور والغياب، وضبط الانضباط، والتنسيق اليومي، ومعالجة عدد من الوضعيات المرتبطة بالتلاميذ. هذه المهام تستمر، لأن الحياة داخل المؤسسة لا تتوقف بغياب المسؤول المكلف بها.

وهنا تطرح المفارقة نفسها بوضوح: هل يكفي حذف المنصب من الخريطة التنظيمية أو تركه شاغراً لكي تختفي الحاجة إلى المهام التي كان يتولاها؟

عملياً، غالباً ما تجد الإدارة نفسها أمام ضرورة ضمان استمرارية العمل، وهو ما يدفع المدير إلى تحمل جزء من الأعباء الإضافية، إلى جانب مسؤولياته الأصلية. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا التدبير الاستثنائي إلى ممارسة يومية، ويصبح ما كان يفترض أن يكون حلاً مؤقتاً واقعاً دائماً.

المشكلة أن الخصاص في الموارد البشرية لا يظهر دائماً في مؤشرات رقمية تعكس حقيقة الوضع داخل المؤسسة، فقد تبدو المؤسسة، من الناحية الإدارية، قائمة وتؤدي خدماتها بشكل طبيعي، بينما يكون المدير أو الأطر المتوفرة فيها قد أصبحوا يتحملون مجموعة من المهام الإضافية التي لم تكن ضمن توزيعهم الأصلي للعمل.

ومع تراكم هذه المهام، يصبح السؤال مطروحاً حول قدرة المؤسسة على الجمع بين التدبير اليومي، والتخطيط، والتتبع، والتواصل مع الأسر، ومراقبة الحياة المدرسية، والتعامل مع الحالات الطارئة، في ظل موارد بشرية محدودة.

فالمدير ليس مجرد مسؤول إداري يتعامل مع الوثائق والمراسلات، وإنما يوجد في قلب منظومة معقدة تتداخل فيها الجوانب التربوية والإدارية والتنظيمية والاجتماعية، ومن ثم، فإن تحميله باستمرار أدواراً إضافية قد يؤثر، بشكل مباشر أو غير مباشر، على قدرته على القيام بوظيفته الأساسية بالشكل المطلوب.

وتزداد حساسية الوضع عندما يتعلق الأمر بالمراقبة وسلامة التلاميذ، فالمؤسسات التعليمية، خصوصاً الكبرى منها، تعرف حركة بشرية كثيفة خلال فترات الدخول والخروج والاستراحة والتنقل بين مختلف المرافق، وهي وضعيات تتطلب حضوراً بشرياً وتنظيماً دقيقاً وتوزيعاً واضحاً للمهام.

وفي ظل وجود خصاص في الأطر المكلفة بالحياة المدرسية والمراقبة، تبرز أسئلة مشروعة حول مدى قدرة المؤسسة على توفير التغطية المطلوبة في مختلف الفضاءات والأوقات، ولا يتعلق الأمر هنا بإلقاء المسؤولية على هذا الإطار أو ذاك، وإنما بطرح سؤال أوسع: هل تتناسب الموارد البشرية المتوفرة فعلياً مع حجم المسؤوليات المفروضة على المؤسسة؟

فالمراقبة ليست إجراءً شكلياً، وإنما جزء أساسي من منظومة الوقاية وحماية التلاميذ وضمان السير العادي للمرفق التربوي، فعند وقوع حادث داخل المؤسسة، تصبح هذه الإشكالية أكثر حساسية، و تطرح حينها أسئلة من قبيل: من كان مكلفاً بالمراقبة؟ من كان حاضراً؟ ما هي التعليمات المعمول بها؟ كيف تم توزيع المهام؟ وهل كانت الموارد البشرية المتوفرة كافية لتغطية المؤسسة؟

وهي أسئلة مشروعة، لكن الإجابة عنها تقتضي النظر إلى الوقائع كاملة، وعدم اختزال المسؤولية في الصفة الوظيفية وحدها، فالمسؤولية القانونية لا تقوم بشكل آلي لمجرد أن شخصاً يشغل منصباً إدارياً، وإنما ترتبط بالواجبات المحددة قانوناً وتنظيمياً، وبطبيعة الفعل أو الامتناع، والظروف المحيطة بالواقعة، وما يمكن إثباته من علاقة بين المسؤولية والنتيجة.

وبالتالي، فإن شغور منصب الحارس العام لا يعني تلقائياً أن المدير أصبح مسؤولاً عن كل المهام المرتبطة بذلك المنصب، كما أن وجود الحارس العام لا يعني بدوره أنه يتحمل تلقائياً مسؤولية كل حادث يقع داخل المؤسسة، فالمسؤولية ينبغي أن تقرأ في ضوء الاختصاص، والواجب، والوسائل، والوقائع الفعلية لكل حالة.

المفارقة أن الإدارة التربوية مطالبة، في الوقت نفسه، بتحقيق النجاعة والحكامة وحسن التدبير، وهي أهداف لا يمكن أن تتحقق فقط عبر رفع سقف المطالب، وإنما تحتاج أيضاً إلى توفير شروط العمل المناسبة.

فالحكامة لا تعني أن يتحول النقص في الموارد البشرية إلى مسؤولية إضافية يتحملها المدير والأطر الموجودة داخل المؤسسة، كما أن المرونة في التدبير لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة دائمة لسد المناصب الشاغرة، لأن استمرار هذا الوضع قد يؤدي تدريجياً إلى تحويل المدير من مسؤول عن القيادة والتدبير والتخطيط إلى مسؤول يقضي جزءاً كبيراً من وقته في سد الثغرات ومعالجة الاختلالات الناتجة عن الخصاص.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما اتسعت دائرة المهام دون أن تتوسع معها الموارد، أصبح التدبير أكثر انشغالاً بالمستعجل وأقل قدرة على الاشتغال بمنطق التخطيط والوقاية.

إن معالجة هذه الإشكالية لا ينبغي أن تقتصر على إيجاد حلول مؤقتة لتوزيع المهام، وإنما تقتضي إعادة النظر في التوازن بين حجم المؤسسة وعدد التلاميذ والموارد البشرية المتوفرة وطبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتق كل إطار.

فالمؤسسة التعليمية ليست مجرد بناية تضم تلاميذ وأساتذة وإدارة، وإنما فضاء معقد يحتاج إلى تنظيم دقيق للمسؤوليات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمراقبة والحياة المدرسية والسلامة.

ومن هنا، فإن معالجة شغور المناصب الإدارية ينبغي أن تقوم على وضوح الاختصاصات، وتوفير الموارد البشرية، وتحديد المسؤوليات، ووضع آليات فعالة لضمان استمرارية الخدمة دون تحميل إطار واحد أعباء تتجاوز طاقته التنظيمية والمهنية.

في النهاية، قد يكون من السهل القول إن المؤسسة مطالبة بـ”تدبير الأمر الواقع”، لكن السؤال الأكثر أهمية هو: إلى متى يمكن أن يستمر هذا التدبير قبل أن يتحول الخصاص من وضع مؤقت إلى مشكلة بنيوية؟

فحين يُحذف المنصب، لا تختفي المهمة، وحين تتراكم المهام على من تبقى، لا تختفي المسؤولية التنظيمية، فالرهان الحقيقي ليس فقط أن تستمر المؤسسة في العمل، وإنما أن تستمر في العمل بشروط تضمن جودة التدبير، وتحمي الأطر، وتصون حقوق التلاميذ وسلامتهم.

 

سعيد الجدياني

https://www.assif.info

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *