بين حماية المستهلك واستمرارية النشاط.. مهنيون يدعون إلى مقاربة تشاركية لتعزيز السلامة الصحية للمنتجات البحرية
أسفي: عبد الرحيم النبوي
تُعد السلامة الصحية للمنتجات البحرية أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها قطاع الصيد البحري بالمغرب، باعتبارها ضمانة لحماية المستهلك وتعزيز ثقة الأسواق الوطنية والدولية في جودة المنتوج البحري المغربي. ومع تشديد إجراءات المراقبة داخل عدد من الموانئ، عاد النقاش ليتجدد بين المهنيين والجهات المختصة حول أفضل السبل الكفيلة بضمان احترام المعايير الصحية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استمرارية النشاط الاقتصادي للقطاع.
ويجمع مهنيون في قطاع الصيد البحري على أن الرقابة الصحية تشكل ضرورة لا غنى عنها، معتبرين أن الالتزام بالضوابط القانونية والعلمية يساهم في حماية سمعة المنتوج المغربي ويدعم تنافسيته في الأسواق الخارجية. غير أنهم يرون أن تحقيق هذا الهدف يقتضي، إلى جانب المراقبة، اعتماد مقاربة أكثر انفتاحًا تقوم على التكوين المستمر، والتأطير التقني، والحوار الدائم مع مختلف الفاعلين.
وفي هذا السياق، يؤكد عدد من أرباب مراكب الصيد أن أغلب المهنيين لا يعارضون عمليات التفتيش أو مراقبة المواد المضافة المستعملة في حفظ الروبيان الطري، بل يطالبون بتوضيح المستجدات القانونية المتعلقة بهذه المواد، وتوفير برامج تكوينية منتظمة تمكنهم من مواكبة التطورات التقنية والتشريعية.
ويقول أحد المهنيين: “لسنا ضد تطبيق القانون، لكننا نعتبر أن التحسيس والتوجيه والإنذار ينبغي أن تسبق العقوبات، خاصة عندما يتعلق الأمر بمخالفات غير مقصودة أو يمكن تصحيحها دون أن تشكل خطرًا على صحة المستهلك.”
ويرى مهنيون أن بعض الإجراءات الزجرية، مثل إتلاف كميات من المنتوج أو فرض غرامات مالية، قد تترتب عنها انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة، لاسيما في ظل ارتفاع تكاليف الوقود والصيانة والتجهيزات، وتراجع المردودية خلال بعض مواسم الصيد. ويشيرون إلى أن هذه الخسائر لا تقتصر على أرباب المراكب، بل تمتد إلى البحارة والعاملين الذين ترتبط مداخيلهم بنتائج رحلات الصيد.
وفي المقابل، يشدد متابعون للشأن البحري على أن احترام المعايير الصحية لا يحتمل أي تهاون، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بصحة المستهلك وبسمعة الصادرات المغربية. ويؤكدون أن أي تجاوز للضوابط المتعلقة بالمواد المضافة أو شروط الحفظ قد يؤثر في جودة المنتوج، ويعرضه للرفض في الأسواق، وهو ما يجعل تدخل أجهزة المراقبة جزءًا من منظومة الوقاية وضمان الجودة، وليس مجرد إجراء عقابي.
ويرى عدد من الفاعلين أن نجاح منظومة السلامة الصحية يظل رهينًا بتكامل الأدوار بين الإدارة والمهنيين، حيث لا تكفي المراقبة وحدها لتحقيق الامتثال الكامل، بل ينبغي أن تواكبها برامج للتكوين المستمر، وإعداد دلائل تقنية مبسطة، وتنظيم لقاءات دورية داخل الموانئ لشرح المستجدات القانونية والإجابة عن الإشكالات التي يطرحها المهنيون.
كما يؤكد هؤلاء أن إشراك ممثلي القطاع في مناقشة التعديلات التنظيمية وتقييم الإكراهات الميدانية من شأنه أن يعزز الثقة المتبادلة، ويحد من المخالفات، ويكرس ثقافة الوقاية بدل الاكتفاء بمنطق الزجر، بما يخدم المصلحة العامة ويحافظ على استقرار القطاع.
ويجمع المتدخلون على أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين التطبيق الصارم للقانون لحماية صحة المستهلك، واعتماد آليات للمواكبة والتأطير تمكن المهنيين من الامتثال للمعايير الصحية دون الإضرار باستمرارية نشاطهم الاقتصادي.
وفي ظل المكانة التي يحتلها قطاع الصيد البحري ضمن الاقتصاد الوطني، يظل تعزيز ثقافة الجودة والسلامة الصحية مسؤولية مشتركة بين الإدارة والمهنيين، قوامها الحوار والتكوين والالتزام بالقانون، بما يضمن توفير منتوج بحري آمن وعالي الجودة، ويحافظ على ثقة المستهلك، ويعزز تنافسية المنتوج البحري المغربي في الأسواق الوطنية والدولية.