الشيخ سيدي السعيد الصديقي في ذمة الله.. إرث علمي وتربوي خالد
اسفي: عبد ارحيم النبوي
فقدت الساحة العلمية والدينية بالمغرب، الأحد 12 يوليوز 2026، أحد أعلام التعليم العتيق وخدمة القرآن الكريم، بوفاة الفقيه الجليل الشيخ سيدي السعيد الصديقي، الذي وافته المنية بإحدى مستشفيات مدينة الدار البيضاء، بعد مسيرة امتدت لعقود في تعليم كتاب الله، وتكوين الأئمة والفقهاء، وترسيخ قيم العلم والاعتدال.
وينتمي الراحل إلى قبيلة أولاد الشيخ بإقليم قلعة السراغنة، حيث وُلد سنة 1967 في بيت عرف بالعلم والصلاح، ونشأ في كنف والده الفقيه المعمر الحاج أحمد بن عبد الرزاق، أحد شيوخ القراءات، رحمه الله، في أسرة اشتهرت بحفظ القرآن الكريم وتدريسه، فكان ذلك المنطلق الأول لمسيرته العلمية.
وأتم الشيخ حفظ القرآن الكريم وهو في سن مبكرة، قبل أن يشد الرحال في طلب العلم بين عدد من المدارس العتيقة المغربية، متنقلاً بين ربوع سوس العالمة ومدينة طنجة، حيث تتلمذ على أيدي ثلة من كبار علماء المغرب، من بينهم الشيخ عبد الله بن الصديق، والشيخ عبد العزيز بن الصديق، والفقيه الأصولي عبد الله التليدي، رحمهم الله جميعاً. وقد أسهمت هذه الرحلة العلمية في صقل شخصيته، فجمع بين رسوخ التكوين الفقهي، وسعة الاطلاع، والتربية الإيمانية.
وعقب استكمال تحصيله العلمي، عاد إلى موطنه ليؤسس مدرسة علمية قرآنية عتيقة، تولى الإشراف عليها والتدريس بها، واضعاً نصب عينيه تخريج أجيال متشبعة بالعلم الشرعي والأخلاق الإسلامية. وفي سنة 1992 عُيّن خطيباً وواعظاً بمسجد لقصر بقبيلة أولاد الشيخ، حيث عُرف بخطبه الجامعة بين التأصيل الشرعي والواقع المعيش.
وفي سنة 1999 انتقل إلى إقليم آسفي، حيث تولى إدارة والتدريس بمدرسة الحنيبلات لمدة سبع سنوات، وأسهم خلالها في تكوين عشرات الأئمة والفقهاء وحفاظ القرآن الكريم، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه ليستأنف رسالته التعليمية بمدرسة الشيخاوية، مواصلاً التدريس والتأطير إلى آخر أيام حياته.
ويجمع تلامذة الشيخ ومحِبوه على أن الراحل لم يكن مجرد مدرس للعلوم الشرعية، بل كان مربياً حمل همَّ بناء الإنسان قبل تلقينه المعرفة، فعُرف بالورع، والتواضع، وحسن الخلق، ولين الجانب، والحرص على غرس قيم الإخلاص والاجتهاد والانضباط في نفوس طلبته، وهو ما جعل أثره يتجاوز جدران المدرسة إلى المجتمع بأسره.
وبرحيل الشيخ سيدي السعيد الصديقي، تفقد المدارس العتيقة بالمغرب واحداً من رجالاتها الذين أفنوا أعمارهم في خدمة القرآن الكريم، وتعليم العلوم الشرعية، وتكوين أجيال من العلماء والأئمة، في مسيرة اتسمت بالعطاء المتواصل والإخلاص في أداء الرسالة.
وسيظل اسم الراحل حاضراً في ذاكرة تلامذته وكل من عرفه، بما تركه من إرث علمي وتربوي، وبما غرسه من قيم العلم والعمل، ليبقى خير ما يخلد العالم بعد رحيله علمٌ نافع، وتلامذة صالحون، وأثر طيب في الناس.
رحم الله الشيخ سيدي السعيد الصديقي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه في خدمة القرآن الكريم والعلم الشرعي في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه وتلامذته جميل الصبر والسلوان.