الوليدية على إيقاع البارود.. 52 سربة و750 فارساً تحوّل موسم سيدي عبد السلام الغواص إلى موعد استثنائي

 الوليدية على إيقاع البارود.. 52 سربة و750 فارساً تحوّل موسم سيدي عبد السلام الغواص إلى موعد استثنائي

 

اسفي: عبد الرحيم النبوي

على إيقاع صهيل الخيول ودوي البارود، تعيش مدينة الوليدية على وقع موسم الولي الصالح سيدي عبد السلام الغواص، الذي يتزامن هذه السنة مع الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، في تظاهرة تجمع بين الفروسية التقليدية والذاكرة الشعبية والحركية التجارية، وتفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول قدرة المدينة على تحويل تراثها ومؤهلاتها الطبيعية إلى رافعة حقيقية للتنمية والسياحة.

وتشهد فعاليات التبوريدة، المنظمة في إطار الموسم، مشاركة أكثر من 52 سربة وما يزيد عن 750 فارساً قدموا من مناطق مختلفة من المملكة، في مشهد يعكس استمرار حضور الفروسية التقليدية في الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمغاربة، ويؤكد جاذبية هذا الموروث لدى الجمهور.

وتنظم التظاهرة جمعية الوليدية للفروسية بشراكة مع جماعة الوليدية، وسط حضور جماهيري لافت، حيث تتحول فضاءات العرض إلى ساحات مفتوحة تستعرض فيها السربات مهارات الفرسان وجمالية الخيول ودقة الأداء الجماعي، وصولاً إلى لحظة إطلاق البارود التي تظل أبرز لحظات التبوريدة وأكثرها استقطاباً للمتابعين.

ومن بين السربات المشاركة، سربة لعمامرة برئاسة عبد الحق العيدي، وسربة مول البركي برئاسة شرف البحراوي، إلى جانب عدد من السربات الأخرى، في لوحة تعكس تنوع مدارس التبوريدة المغربية واختلاف أساليبها وطقوسها، مع الحفاظ على جوهر هذا الموروث الأصيل.

لم تعد التبوريدة، في سياق موسم الوليدية، مجرد فقرة احتفالية أو عرض فولكلوري عابر، بل باتت تحمل مؤهلات تؤهلها لأن تكون جزءاً من المنتوج الثقافي والسياحي للمدينة.

فالوليدية اشتهرت على مدى سنوات بجاذبيتها الطبيعية، وعلى رأسها الشاطئ والبحيرة، غير أن الموسم الحالي يبرز إمكانات أخرى يمكن استثمارها لتعزيز جاذبية المدينة وتنويع العرض الموجه للزوار.

وتوفر التبوريدة فرصة لربط السياحة بالثقافة والتراث، من خلال تقديم تجربة تجمع بين الاستمتاع بالمؤهلات الطبيعية والتعرف على جانب من الذاكرة الشعبية المغربية، بما يسمح بإطالة مدة إقامة الزائر وتنويع الأنشطة المتاحة أمامه.

ومن هذا المنظور، يمكن للمواسم والمهرجانات والتظاهرات التراثية أن تتحول من مناسبات محدودة زمنياً إلى مكونات ضمن استراتيجية سياحية أوسع، تستثمر خصوصية الوليدية وتمنح التراث المحلي مكانة أكبر داخل العرض السياحي.

خلف المشهد الاحتفالي الذي تصنعه الخيول والبارود، تقف تحديات تنظيمية ولوجستيكية كبيرة تفرضها مشاركة عشرات السربات ومئات الفرسان والخيول، بالتزامن مع تدفق أعداد مهمة من الزوار والمتابعين.

ويحتاج هذا النوع من التظاهرات إلى توفير فضاءات مناسبة لإيواء الخيول واستقبال الفرسان، وتنظيم حركة الجمهور، وتأمين محيط العروض، وضمان شروط السلامة، فضلاً عن التنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين.

فالنجاح لا يقاس فقط بعدد السربات أو حجم الجمهور، وإنما أيضاً بمدى قدرة المنظمين على تدبير هذه الكثافة البشرية واللوجستيكية بشكل يضمن سلامة الجميع ويحافظ على جمالية العرض ويعكس صورة إيجابية عن المدينة.

وبالتوازي مع عروض التبوريدة، تعرف الوليدية حركية تجارية وثقافية من خلال تنظيم عدد من المعارض التي تتيح للتجار والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغرى فرصة عرض منتجاتهم والتواصل المباشر مع الزوار.

وتشكل هذه الفضاءات متنفساً مهماً للفاعلين الاقتصاديين المحليين، خصوصاً في ظل الإقبال الذي تعرفه المدينة خلال فترة الموسم، إذ تساهم في تحريك التجارة وتنشيط الفضاءات العمومية وربط النشاط الاقتصادي بالحركية السياحية.

غير أن هذا الرواج، رغم أهميته، يظل في الغالب موسمياً ومحدوداً زمنياً، وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً حول كيفية تحويل الانتعاش الذي تعرفه المدينة خلال هذه المناسبات إلى دينامية اقتصادية مستمرة تستفيد منها مختلف الفئات والقطاعات.

فالموروث الديني المرتبط بالموسم، والتبوريدة باعتبارها تراثاً وفرجة، والمعارض التجارية باعتبارها فضاءً للرواج الاقتصادي، إلى جانب الشاطئ والبحيرة والمجال الساحلي، كلها مكونات يمكن دمجها ضمن تصور موحد يمنح المدينة عرضاً سياحياً أكثر تنوعاً واستدامة.

والرهان لا يكمن فقط في إنجاح موسم أو تنظيم تظاهرة، بل في القدرة على استثمار الزخم الذي تخلقه هذه المناسبات وتحويله إلى قيمة مضافة يستفيد منها الاقتصاد المحلي، عبر دعم الحرفيين والتجار وأصحاب المشاريع الصغرى، وتشجيع المبادرات المرتبطة بالسياحة الثقافية والترفيهية.

بين صهيل الخيول ودوي البارود من جهة، وزرقة البحر وهدوء البحيرة من جهة أخرى، تقدم الوليدية نفسها كمدينة قادرة على تجاوز الصورة التقليدية لوجهة شاطئية موسمية، نحو نموذج يجمع بين التراث والثقافة والطبيعة والترفيه والاقتصاد المحلي، وتشكل التظاهرة الحالية، بحجم المشاركة الجماهيرية وعدد السربات والفرسان، اختباراً عملياً لقدرة المدينة على احتضان تظاهرات كبرى واستثمارها بما يتجاوز لحظتها الاحتفالية.

فإذا كان نجاح الموسم يقاس اليوم بحجم المشاركة والإقبال الجماهيري، فإن التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذا الزخم إلى قيمة مضافة مستدامة، تجعل من التراث رافعة اقتصادية، ومن السياحة أداة لدعم النسيج المحلي، ومن المؤهلات الطبيعية ثروة مصانة وقابلة للتثمين.

وهكذا، فإن 52 سربة وأكثر من 750 فارساً لا يصنعون مجرد مشهد احتفالي عابر، بل يقدمون صورة عن الإمكانات التي تختزنها الوليدية، ويطرحون في الوقت نفسه سؤال المستقبل: كيف يمكن تحويل مواسمها وتظاهراتها وتراثها ومؤهلاتها الطبيعية إلى استراتيجية متكاملة تجعل من المدينة وجهة سياحية وثقافية على مدار السنة،

سعيد الجدياني

https://www.assif.info

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *