حين يترجّل رجال الظل: تأملات في تقاعد الحاج حميد كربوب
اسفي: عبد الرحيم النبوي
ليس من السهل الكتابة عن لحظة إحالة موظف على التقاعد، حين يتعلق الأمر برجل قضى ثمانياً وثلاثين سنة في صمت المسؤولية وثقل الأمانة. فبعض الأسماء لا تُختصر في منصب، ولا تُقاس فقط بعدد السنوات، بل بما تتركه من أثر في النفوس وفي تفاصيل الحياة اليومية للناس.
الحاج حميد كربوب واحد من هؤلاء. لم يكن مجرد مدير مصالح جماعية، بل كان ذاكرة إدارية حيّة، ومرجعاً يُلجأ إليه حين تتعقّد المساطر وتتشابك النصوص. في زمن أصبحت فيه السرعة تطغى على الإتقان، ظل هو نموذجاً للموظف الذي يزن كلماته قبل قراراته، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
ويُعد المحتفى به من الأطر الإدارية التي راكمت تجربة طويلة في مجال التسيير والتدبير الجماعي، حيث شغل منصب الكتابة العامة قبل أن تتحول إلى مديرية المصالح الجماعية، وأسهم خلال هذه الفترة في تأطير العمل الإداري وتعزيز الحكامة داخل الجماعة.
وأجمع عدد من المتدخلين على ما تحلى به كربوب من خصال مهنية، أبرزها النزاهة والانضباط والتفاني في أداء المهام، إلى جانب إلمامه بالجوانب القانونية والإدارية، وتمكنه من تقنيات المراسلات الإدارية، ما جعله مرجعًا في تدبير الملفات الجماعية.
ما يلفت في مسيرته ليس فقط طولها، بل عمقها. فقد عاصر تحولات الإدارة الجماعية، من الكتابة العامة إلى مديرية المصالح، وتعامل مع أجيال متعاقبة من المنتخبين، في سياقات مختلفة، وظروف لم تكن دائماً سهلة. ومع ذلك، حافظ على خط ثابت: النزاهة، والانضباط، والالتزام.
ولم تقتصر اهتمامات المحتفى به على المجال الإداري، بل امتدت إلى الحقل الأدبي، حيث عُرف بشغفه بكتابة الشعر، إذ نظم العديد من القصائد التي استلهم مضامينها من الواقع المحلي، متناولًا مواضيع متنوعة تراوحت بين الزجل والغزل والمدح والهجاء
كان ابداخل لمحتفى به ، شاعرٌ يراقب العالم بعين أخرى. يكتب، يوثق، ويحوّل تفاصيل الواقع إلى قصائد تنبض بالحياة. كأن الإدارة كانت واجبه، أما الكتابة فكانت خلاصه. وفي هذا التوازن بين العقل والوجدان، تكمن إنسانية الرجل.
إن تقاعد الحاج كربوب لا يجب أن يُقرأ فقط كنهاية مسار وظيفي، بل كلحظة تستدعي طرح أسئلة أعمق: كيف نحتفي برجال الإدارة وهم في أوج عطائهم؟ وكيف ننقل خبراتهم للأجيال القادمة؟ وهل نُدرك فعلاً قيمة من يشتغلون بعيداً عن الأضواء؟
في زمن يتغيّر بسرعة، تبقى الحاجة ملحّة إلى نماذج من هذا الطراز؛ نماذج تؤمن بأن الوظيفة ليست امتيازاً، بل مسؤولية، وأن خدمة المواطن ليست شعاراً، بل ممارسة يومية.
اليوم، وهو يغادر مكتبه، لا يغادر أثره. سيبقى في الذاكرة المهنية لمن اشتغلوا معه، وفي القصائد التي كتبها، وفي كل قرار مرّ من بين يديه وكان فيه حرص على الصواب.
لعل أجمل ما يمكن أن يُقال في حقه، ليس وداعاً، بل اعتراف متأخر بقيمة رجل اختار أن يكون مفيداً أكثر من أن يكون مشهوراً.
تقاعداً هادئاً للحاج حميد كربوب، وحياةً مليئة بما يستحقه من راحة وطمأنينة