رواد صناعة مراكب الصيد الساحلي بآسفي: ذاكرة بحرية تستحق الخلود
اسفي: عبد الرحيم النبوي
تُعد مدينة آسفي من أبرز الحواضر البحرية بالمغرب، حيث ارتبط تاريخها الاقتصادي والاجتماعي بالبحر ارتباطًا وثيقًا، وشكل ميناؤها على مدى عقود فضاءً للإنتاج والعمل والعطاء. ولم يكن هذا التاريخ البحري ليتحقق لولا جهود رجال مهرة وهبوا حياتهم لصناعة السفن الخشبية وصيانة مراكب الصيد، وأسهموا بخبرتهم وحرفيتهم في بناء أسطول الصيد الساحلي الذي شكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.
ومن بين الأسماء التي تستحق أن تُسجل بحروف من ذهب في سجل الذاكرة البحرية للمدينة، نجد المعلم الحبيب بنهيمة، والمعلم بوشعيب باني، والمعلم ولد العشاق، والمعلم سلام الحر، والمعلم الحداوي، والمعلم حسن الجرموني، والتكتوكي المعروف بلقب “سبعة صولدي”، والمعلم النعيرة. هؤلاء لم يكونوا مجرد صناع تقليديين، بل كانوا أساتذة في فن صناعة المراكب الخشبية، يمتلكون معرفة دقيقة بأسرار الخشب وأشكال الهياكل البحرية وتقنيات البناء والصيانة، وهي معارف تراكمت عبر سنوات طويلة من الممارسة والتجربة.
واوضح حسن السعدوني رئيس جمعية آفاق لتنمية قطاع الصيد البحري بآسفي ونائب رئيس فرع الاتحاد العام لمقاولات مراكش باسفي، ان هؤلاء الصناع شكلوا مدرسة مهنية متكاملة، نقلوا من خلالها مهاراتهم إلى أجيال متعاقبة من الحرفيين والبحارة، وساهموا في الحفاظ على تقاليد بحرية عريقة، ميزت مدينة آسفي عن غيرها من الموانئ، فكانت ورشاتهم فضاءات للتكوين والتعلم، حيث تتوارث الخبرات من جيل إلى آخر، في نموذج فريد من نقل المعرفة الحرفية المرتبطة بالتراث البحري.
وأضاف حسن السعدوني، ان أهمية هؤلاء الرواد لا تقتصر على الجانب المهني فقط، بل تمتد إلى دورهم في دعم النشاط الاقتصادي للمدينة، إذ ساهمت المراكب التي صنعوها أو أشرفوا على صيانتها في ازدهار قطاع الصيد البحري، وتوفير فرص الشغل لمئات الأسر، وتعزيز مكانة ميناء آسفي كأحد الموانئ الحيوية على الساحل الأطلسي المغربي.
وفي ظل التحولات التي يعرفها قطاع صناعة السفن واعتماد تقنيات حديثة ومواد جديدة، تبرز اليوم الحاجة الملحة إلى توثيق هذا الإرث الإنساني والمهني الثمين، من خلال جمع الشهادات الحية والصور والوثائق المرتبطة بهؤلاء المعلمين، وإدراج سيرهم ضمن الذاكرة الجماعية للمدينة، كما أن تكريمهم وإبراز مساهماتهم يعد اعترافًا مستحقًا بما قدموه من خدمات جليلة للقطاع البحري وللمجتمع المحلي.
وكشف حسن السعدوني، إن الحفاظ على التراث البحري اللامادي لمدينة آسفي لا يقتصر على صيانة الموانئ والمراكب القديمة، بل يشمل أيضًا صون ذاكرة الرجال الذين صنعوا هذا التاريخ بأيديهم وخبراتهم، باعتبار ان فهؤلاء الصناع يمثلون جزءًا أصيلًا من هوية المدينة، واستحضار سيرتهم اليوم هو وفاء لجهودهم، ورسالة للأجيال الصاعدة بأن التنمية الحقيقية تُبنى بسواعد الرجال المخلصين الذين يتركون بصماتهم في ذاكرة المكان والزمان.