مغاربة العالم.. ركيزة أساسية لتنمية آسفي وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية

 مغاربة العالم.. ركيزة أساسية لتنمية آسفي وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية

 

آسفي : عبد الرحيم النبوي

في سياق الاحتفاء باليوم الوطني لمغاربة العالم، احتضنت مدينة آسفي، يوم 13 غشت 2026، لقاءً خصص لبحث آفاق الاستثمار وتعزيز جاذبية الإقليم، بمبادرة جمعت بين عمالة إقليم آسفي، وجمعية “حوض آسفي”، والمركز الجهوي للاستثمار، وبمشاركة عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، إلى جانب ممثلي المؤسسات والقطاع الاقتصادي وفعاليات المجتمع المدني.

وشكل هذا اللقاء مناسبة لإعادة التأكيد على المكانة التي بات يحتلها مغاربة العالم في معادلة التنمية الترابية، ليس فقط باعتبارهم رافداً مهماً للاستثمار والتحويلات المالية، وإنما أيضاً باعتبارهم خزّاناً للكفاءات والخبرات والتجارب وشبكات العلاقات الدولية التي يمكن أن تسهم في فتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد المحلي والجهوي.

من الاحتفاء بالجالية إلى إشراكها في صناعة التنمية

لم يعد حضور مغاربة العالم في النقاش التنموي مرتبطاً بالمناسبات الوطنية أو بالمساهمات المالية الفردية فحسب، بل أصبح ينظر إليهم بشكل متزايد باعتبارهم شركاء محتملين في صناعة التنمية والاستثمار وخلق القيمة.

ومن هذا المنطلق، جاء لقاء آسفي ليطرح سؤالاً أساسياً يتجاوز منطق الاستقبال والاحتفاء: كيف يمكن تحويل الارتباط الوجداني والاقتصادي لمغاربة العالم بإقليمهم إلى شراكات ومشاريع استثمارية منتجة ومستدامة؟

هذا السؤال شكل أحد المداخل الرئيسية للنقاش، خصوصاً في ظل ما تزخر به آسفي من مؤهلات اقتصادية وجغرافية وبشرية، وما تتيحه من فرص يمكن أن تستقطب استثمارات جديدة، سواء من أبناء الإقليم المقيمين بالخارج أو من المستثمرين الراغبين في الاستفادة من إمكانات المنطقة.

وقد أتاح اللقاء فضاءً للتواصل المباشر بين مغاربة العالم والمؤسسات والفاعلين المحليين، بما يسمح بالتعريف بالإمكانات المتوفرة، والاستماع إلى انتظارات المستثمرين، ومناقشة العراقيل التي قد تحول دون انتقال بعض الأفكار والمبادرات من مرحلة التصور إلى مرحلة الإنجاز.

آسفي.. مؤهلات متعددة وفرص استثمارية واعدة

تتمتع آسفي بموقع ومؤهلات تجعل منها إحدى المناطق التي تتوفر على مقومات مهمة لتعزيز الاستثمار وتنويع الأنشطة الاقتصادية.

وتتقاطع في الإقليم مجموعة من العناصر التي يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير مشاريع جديدة، من بينها الموقع الجغرافي، والانفتاح على الواجهة الأطلسية، والأنشطة الاقتصادية والصناعية، فضلاً عن المؤهلات البشرية والثقافية والسياحية التي تزخر بها المنطقة.

ومن شأن تثمين هذه المؤهلات وفق رؤية متكاملة أن يعزز مكانة آسفي كوجهة استثمارية، خصوصاً إذا اقترنت فرص الاستثمار بمواكبة مؤسساتية فعالة، وتبسيط المساطر، وتوفير المعلومة الدقيقة حول العقار والتمويل والحوافز والإمكانات المتاحة أمام المستثمرين.

وفي هذا السياق، برز دور المركز الجهوي للاستثمار باعتباره فاعلاً مؤسساتياً في مواكبة المستثمرين والتعريف بالفرص الاستثمارية، فضلاً عن دوره في تقريب الرؤية الاقتصادية للجهة من المستثمرين وأصحاب المشاريع.

مغاربة العالم.. رأسمال بشري واقتصادي يتجاوز التحويلات المالية

أحد أبرز الأبعاد التي حملها اللقاء يتمثل في إعادة تعريف مساهمة مغاربة العالم في التنمية.

فالجالية المغربية لا تمثل فقط قوة مالية قادرة على ضخ الاستثمارات، وإنما تشكل أيضاً رأسمالاً بشرياً ومعرفياً وعلاقياً يمتلك خبرات راكمها أفرادها في مختلف القطاعات والأسواق الدولية.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى آسفي، إذ إن ربط الكفاءات المحلية بالكفاءات المغربية المنتشرة في أوروبا وإفريقيا وأمريكا وباقي مناطق العالم يمكن أن يفتح المجال أمام نقل الخبرات، وتبادل المعرفة، واستقطاب شركاء اقتصاديين، وربط المقاولات المحلية بشبكات وأسواق جديدة.

كما أن أفراد الجالية الذين راكموا تجارب مهنية واستثمارية في الخارج يمكن أن يؤدوا دوراً مهماً في التعريف بإمكانات الإقليم، وجلب مستثمرين وشركاء، وتسهيل الولوج إلى أسواق خارجية، فضلاً عن المساهمة في تطوير مشاريع ذات بعد دولي.

ومن هنا، فإن الرهان لا يتعلق فقط باستقطاب أموال مغاربة العالم، بل بتعبئة الكفاءات والخبرات والعلاقات والشبكات المهنية التي راكموها خلال سنوات الإقامة والعمل بالخارج.

نحو خارطة طريق تحول الإمكانات إلى مشاريع

من أبرز الأفكار التي طبعت النقاش خلال اللقاء، الحاجة إلى الانتقال من تشخيص المؤهلات إلى بلورة رؤية عملية قادرة على إنتاج مشاريع ملموسة.

فوجود المؤهلات وحده لا يكفي لضمان جاذبية استثمارية مستدامة، ما لم تتم ترجمته إلى مشاريع واضحة، تتوفر لها الشروط القانونية والمؤسساتية والمالية والبشرية اللازمة.

ولهذا برزت أهمية وضع خارطة طريق خاصة بآسفي، تكون بمثابة إطار عملي لتحديد الأولويات، وحصر الفرص الاستثمارية، وتحديد القطاعات ذات الأولوية، وربط المستثمرين بالمؤسسات المعنية، ثم تتبع المشاريع منذ مرحلة الفكرة إلى غاية الإنجاز.

ومن شأن مثل هذه المقاربة أن تمنح مغاربة العالم رؤية أكثر وضوحاً حول المشاريع التي يمكن الاستثمار فيها، وحول آليات المواكبة والحوافز المتاحة، كما يمكن أن تساعد المؤسسات المحلية على فهم حاجيات المستثمرين وتطوير عروض أكثر ملاءمة.

الاستثمار.. من المبادرات الفردية إلى المشاريع المنتجة

يشكل تحويل مدخرات مغاربة العالم إلى استثمارات منتجة أحد أبرز التحديات المطروحة في هذا المجال.

فبينما توجه نسبة مهمة من مدخرات الجالية إلى اقتناء العقارات أو تمويل مشاريع ذات طابع شخصي أو عائلي، يظل الرهان قائماً على توسيع قاعدة الاستثمارات نحو مشاريع اقتصادية قادرة على خلق فرص الشغل وإنتاج القيمة المضافة وتعزيز الدورة الاقتصادية المحلية.

وتتطلب هذه العملية بناء الثقة بين المستثمر والمؤسسات، وتوفير المعلومة، والرفع من جودة المواكبة، وتوضيح المساطر، فضلاً عن ضمان تتبع المشاريع وحل الإشكالات التي قد تواجه أصحابها.

كما تحتاج إلى تقديم مشاريع استثمارية جاهزة أو شبه جاهزة، بدل الاكتفاء بعرض مؤهلات عامة. فالمستثمر، سواء كان مقيماً بالمغرب أو بالخارج، يحتاج إلى معرفة دقيقة بطبيعة المشروع، وحجم الاستثمار، والجدوى الاقتصادية، والوعاء العقاري، وآفاق السوق، والمخاطر المحتملة، ومختلف مراحل الإنجاز.

المجتمع المدني شريك في تعزيز جاذبية الإقليم

الحضور اللافت لفعاليات المجتمع المدني خلال هذا اللقاء يعكس أيضاً أهمية الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها الجمعيات والشبكات المحلية في ربط آسفي بكفاءاتها المنتشرة عبر العالم.

فالجمعيات ذات الصلة بمغاربة العالم يمكن أن تتحول إلى منصات للتواصل والتنسيق والتعريف بالمشاريع والفرص، كما يمكنها أن تسهم في بناء جسور الثقة بين المستثمرين والمؤسسات والفاعلين المحليين.

وتكتسب هذه الأدوار أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بمغاربة العالم من أبناء الإقليم، ممن يحتفظون بروابط قوية بمناطقهم الأصلية، ويبحثون عن فرص للمساهمة في تنميتها، سواء من خلال الاستثمار المباشر أو نقل الخبرة أو دعم المبادرات الاقتصادية والاجتماعية.

خلق فرص الشغل.. المعيار الحقيقي لنجاح المبادرة

يبقى الأثر الاجتماعي والاقتصادي لأي استراتيجية استثمارية هو قدرتها على خلق فرص شغل وتحسين مستوى العيش وتعزيز القيمة المضافة المحلية.

ومن هذا المنظور، فإن تعبئة استثمارات مغاربة العالم ينبغي ألا تقتصر على حجم الأموال المستثمرة، بل يجب أن تقاس أيضاً بعدد المشاريع التي تم إنجازها، ومناصب الشغل التي أحدثتها، ومدى مساهمتها في تطوير سلاسل الإنتاج المحلية، ونقل التكنولوجيا والخبرة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات القادمة من آسفي.

كما أن نجاح أي خارطة طريق للاستثمار يظل مرتبطاً بقدرتها على تحقيق تنمية متوازنة، تستفيد منها مختلف الفئات والمجالات الترابية، وتوفر فرصاً حقيقية للشباب وحاملي المشاريع والمقاولات الصغرى والمتوسطة.

بناء الثقة.. مفتاح استدامة الشراكة

إذا كان اللقاء قد شكل فرصة لتسليط الضوء على إمكانات آسفي، فإن المرحلة المقبلة تبدو أكثر أهمية، لأنها ستختبر قدرة مختلف الأطراف على تحويل النقاش إلى إجراءات ومبادرات عملية.

فالاستثمار يحتاج إلى بيئة يشعر فيها المستثمر بأن فكرته تحظى بالمواكبة، وأن المساطر واضحة، وأن الإشكالات تتم معالجتها في آجال معقولة، وأن المؤسسات تعمل وفق رؤية منسجمة.

وبالنسبة إلى مغاربة العالم، فإن تعزيز الثقة يمر أيضاً عبر توفير قنوات تواصل مستمرة معهم، وعدم حصر العلاقة في المناسبات، وإنما تحويلها إلى شراكة دائمة قائمة على تبادل المعلومات وتتبع المشاريع والإنصات إلى المقترحات والإكراهات.

آسفي ومغاربة العالم.. شراكة للمستقبل

يحمل لقاء 13 غشت 2026 رسالة واضحة مفادها أن التنمية المحلية لم تعد شأناً تدبيرياً محلياً صرفاً، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة المدن والأقاليم على تعبئة كفاءاتها ومواردها البشرية المنتشرة خارج الحدود.

وإذا نجحت آسفي في بناء منظومة متكاملة تربط مؤسساتها الاقتصادية بفعالياتها المدنية وبمغاربة العالم، فإنها ستكون أمام فرصة حقيقية لتعزيز جاذبيتها وتحويل جزء من الرصيد البشري والاقتصادي للجالية إلى مشاريع ذات أثر مباشر على الاقتصاد المحلي.

فالرهان اليوم لا يتعلق فقط باستقطاب المستثمر المغربي المقيم بالخارج، وإنما ببناء شبكة آسفية عالمية تستثمر في المعرفة والخبرة والعلاقات قبل رأس المال، وتربط الإقليم بمختلف الكفاءات والأسواق التي توجد فيها الجالية المغربية.

وفي نهاية المطاف، فإن نجاح هذه الدينامية سيقاس بمدى القدرة على الانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن عرض المؤهلات إلى إنجاز المشاريع، ومن المبادرات المتفرقة إلى رؤية استثمارية متكاملة.

وبذلك يمكن لمغاربة العالم أن يتحولوا من مجرد فاعل اقتصادي داعم إلى شريك استراتيجي في صياغة المستقبل الاقتصادي لآسفي، بما يجعل من الاستثمار أداة للتنمية، ومن الكفاءات جسراً نحو العالم، ومن المؤهلات المحلية قاعدة لبناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.

إنها، في جوهرها، دعوة إلى إعادة صياغة العلاقة بين آسفي وأبنائها المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، على أساس شراكة جديدة عنوانها الثقة، وغايتها الاستثمار، وهدفها النهائي تحقيق تنمية محلية تخلق الثروة وفرص الشغل وتمنح الإقليم موقعاً أقوى ضمن الخريطة الاقتصادية والاستثمارية للمغرب.

 

سعيد الجدياني

https://www.assif.info

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *