جماعة شهدة.. حين تصطدم إرادة التنمية بحدود الإمكانيات مطالب بفك العزلة وتعزيز العدالة المجالية ودعم برنامج عمل الجماعة 2021–2027

 جماعة شهدة.. حين تصطدم إرادة التنمية بحدود الإمكانيات  مطالب بفك العزلة وتعزيز العدالة المجالية ودعم برنامج عمل الجماعة 2021–2027

 

 اسفي: عبد الرحيم النبوي   

في منطقة تتقاطع فيها تطلعات الساكنة مع تحديات الواقع التنموي، تواصل جماعة شهدة مسارها نحو ترسيخ أسس تنمية محلية أكثر استجابة لحاجيات المواطنين. غير أن هذا المسار، رغم ما يطبعه من إرادة ومبادرات، ما يزال يصطدم بإكراهات ترتبط أساساً بمحدودية الإمكانيات المالية واتساع دائرة الانتظارات.

ومنذ إحداثها سنة 2010، تجد الجماعة نفسها أمام مهمة بناء مقومات تنموية متدرجة في مجال ترابي تتعدد فيه الحاجيات وتتفاوت فيه مستويات الولوج إلى الخدمات والتجهيزات الأساسية. وبينما يسعى المجلس الجماعي إلى تعبئة الإمكانيات المتاحة والدفع بعدد من الملفات والمشاريع، تظل الحاجة قائمة إلى مواكبة أكبر من مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء.

فالإشكالية لا تكمن في غياب الرغبة في العمل، بقدر ما ترتبط بالفارق بين حجم الطموحات والإمكانات المتوفرة. فالجماعة، باعتبارها وحدة ترابية فتية، تحتاج إلى موارد وشراكات تمكنها من الاستجابة لمطالب متراكمة، خصوصاً في مجالات البنيات التحتية وفك العزلة وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، يكتسي برنامج عمل جماعة شهدة للفترة 2021–2027 أهمية خاصة، باعتباره وثيقة مرجعية لتحديد الأولويات والبرامج والمشاريع التي يفترض أن تستجيب للحاجيات التنموية المحلية.

غير أن تنزيل مضامين هذا البرنامج يظل رهيناً بتعبئة موارد إضافية، وبانخراط فعلي لمختلف المتدخلين، حتى لا تبقى المشاريع المبرمجة مجرد أهداف على الورق، وإنما تتحول إلى أوراش وإنجازات يشعر المواطن بأثرها المباشر.

في صلب النقاش التنموي بجماعة شهدة، تبرز مسألة العدالة المجالية باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق تنمية متوازنة، فالفوارق في الولوج إلى الطرق والمسالك والخدمات والمرافق الأساسية تجعل من فك العزلة عن المناطق والدواوير التي تعاني من صعوبات في التنقل والولوج إلى الخدمات أولوية لا يمكن تأجيلها، فالطريق، في المناطق القروية، لا يمثل مجرد بنية تحتية، بل يشكل شرياناً للحياة اليومية؛ فهو الذي يربط التلميذ بمدرسته، والمريض بالمرفق الصحي، والفلاح بالسوق، والأسرة بمختلف الخدمات الإدارية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن تحسين شبكة الطرق والمسالك وتعزيز التجهيزات الأساسية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مطلباً قطاعياً محدوداً، وإنما كمدخل أساسي لإطلاق دينامية اقتصادية واجتماعية حقيقية داخل المجال الترابي للجماعة.

وفي هذا الإطار، تبرز هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع باعتبارها فضاءً لإسماع صوت الساكنة والمساهمة في بلورة رؤية تنموية أكثر إنصافاً، فالرهان، وفق هذا المنظور، لا يتعلق فقط بإنجاز المشاريع، وإنما بضمان استفادة مختلف الفئات والمناطق منها، مع إيلاء اهتمام خاص للنساء والشباب والأطفال وساكنة المناطق النائية.

وتطرح الهيئة، من خلال موقعها الاستشاري، ضرورة جعل التنمية المحلية قائمة على تكافؤ الفرص والإنصاف، بما يضمن عدم ترك أي منطقة أو فئة خارج دائرة الاستفادة من المشاريع والخدمات، كما أن إشراك الساكنة والاستماع إلى انتظاراتها يظل عاملاً أساسياً في بناء سياسات محلية أكثر التصاقاً بالواقع وأكثر قدرة على تحديد الأولويات الحقيقية.

وعلى مستوى المجلس الجماعي، يواصل رئيس جماعة شهدة، عبد الكبير بومعاز، تحركاته من أجل الدفاع عن حاجيات المنطقة والسعي إلى استقطاب المشاريع والدعم الضروري لتقوية البنيات والخدمات المحلية، وقد سبق لرئيس الجماعة أن تقدم بعدد من الطلبات والمراسلات المرتبطة بمجموعة من المشاريع والحاجيات الأساسية، في محاولة لفتح قنوات التواصل والتعاون مع مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية.

وتعكس هذه التحركات حجم الملفات المطروحة أمام المجلس، كما تكشف في الوقت نفسه عن إشكالية أعمق تتمثل في محدودية الموارد الذاتية مقارنة بحجم المشاريع التي تنتظرها الساكنة.

فميزانية الجماعة، مهما بلغت أهمية تدبيرها وترشيدها، تظل غير قادرة بمفردها على تمويل مختلف الأوراش الكبرى، وهو ما يجعل الشراكة مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والمجالس المنتخبة والشركاء الآخرين ضرورة أكثر منها خياراً.

اليوم، يبدو التحدي الأساسي أمام جماعة شهدة واضحاً: كيف يمكن تحويل الإرادة المحلية والمطالب المشروعة إلى مشاريع ملموسة ومستدامة؟

الإجابة تمر، بالدرجة الأولى، عبر تعزيز التعاون المؤسساتي، وتعبئة التمويلات، وتسريع تنزيل المشاريع ذات الأولوية، مع اعتماد مقاربة تقوم على تحديد الحاجيات وفق درجة الاستعجال والأثر الاجتماعي والمجالي، كما أن مواكبة الجماعات الفتية لا ينبغي أن تقتصر على الدعم المالي الظرفي، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة تشمل التأطير والمواكبة التقنية، ودعم المشاريع، وتيسير الولوج إلى برامج التنمية القطاعية، بما يساعد هذه الجماعات على بناء قدراتها الذاتية وتحقيق استقلالية أكبر في تدبير مسارها التنموي.

بين محدودية الإمكانيات واتساع الانتظارات، تواصل جماعة شهدة البحث عن موقعها ضمن خريطة التنمية المحلية، مستندة إلى إرادة المجلس ومطالب الساكنة وتطلعات مختلف الفاعلين المحليين.

وإذا كان المجلس الجماعي مطالباً بمواصلة تدبير موارده بحكامة وفعالية، فإن القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء مطالبون بدورهم بمواكبة هذه الجماعة ودعم مشاريعها ذات الأولوية، فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المشاريع المبرمجة، وإنما بمدى وصول أثرها إلى المواطن، وبقدرتها على تقليص الفوارق المجالية وتحسين شروط العيش.

وفي حالة شهدة، تبدو الرسالة واضحة: هناك إرادة محلية، وهناك برنامج عمل، وهناك مطالب وانتظارات متزايدة؛ وما ينقص هو مزيد من الدعم والشراكة حتى تتحول هذه الإرادة إلى واقع تنموي ملموس.

ويبقى فك العزلة، وتحسين البنيات الأساسية، وتعزيز الخدمات، وضمان العدالة المجالية، أبرز العناوين التي تنتظر أجوبة عملية خلال المرحلة المقبلة، بما يجعل من برنامج عمل الجماعة 2021–2027 فرصة حقيقية لترجمة طموحات الساكنة إلى إنجازات تستجيب لحاجياتها وتفتح أمام المنطقة آفاقاً أوسع للتنمية.

 

سعيد الجدياني

https://www.assif.info

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *