سوق السمك بالجملة بآسفي تحت المجهر.. مهنيون يرفضون تغيير توقيت البيع خارج منطق التشاور
اسفي: عبد الرحيم النبوي
في تطور جديد يعيد ملف تنظيم وتوقيت العمل داخل سوق السمك بالجملة بميناء آسفي إلى واجهة النقاش المهني، عبّرت غرفة أرباب مراكب الصيد بالجر وجمعية تجار السمك بالجملة عن استغرابهما من الطريقة التي تم بها تدبير الاجتماع المرتقب لمناقشة مقترح تغيير توقيت البيع من الفترة الصباحية إلى الفترة المسائية.
وبينما تؤكد الهيئتان أنهما تثمنان، من حيث المبدأ، حضور السيد المدير التجاري المكلف بأسواق السمك بالجملة على الصعيد الوطني بالمكتب الوطني للصيد، فإنهما تعتبران أن قيمة المسؤول الإداري لا ينبغي أن تكون بديلاً عن إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين في صناعة القرار.
وتضع الهيئتان، بذلك، السؤال الجوهري على طاولة النقاش: كيف يمكن مناقشة تغيير توقيت البيع داخل سوق للجملة دون حضور جميع الأطراف التي يرتبط نشاطها مباشرة بعملية التفريغ والبيع والتسويق؟
المثير في هذا الملف، حسب المهنيين، أن موضوع تغيير توقيت البيع ليس جديداً ولا طارئاً، بل سبق أن كان محور اجتماعات ونقاشات امتدت لأكثر من عشر سنوات.
وبالتالي، فإن إعادة طرح الملف اليوم، وفق الهيئتين، كان يفترض أن تتم في إطار مقاربة تشاركية أكثر نضجاً ووضوحاً، تأخذ بعين الاعتبار التجربة المتراكمة للمهنيين، والخصوصيات العملية لسوق السمك بالجملة بميناء آسفي.
فالقرار المتعلق بالتوقيت لا يهم الإدارة وحدها، وإنما يمس بشكل مباشر مراكب الصيد، والربابنة، والتجار، والمصدرين، وسلسلة التسويق، وكل المتدخلين الذين ترتبط أنشطتهم بحركة المنتجات البحرية داخل السوق.
أقوى ما تثيره الهيئتان المهنيتان هو مسألة التمثيلية داخل الاجتماع. فأرباب مراكب الصيد بالجر، بحسب المهنيين، ليسوا طرفاً ثانوياً في هذا الملف؛ إنهم أصحاب المراكب التي تفرغ منتجاتها داخل السوق، وبالتالي فإن أي تغيير في توقيت البيع يمكن أن ينعكس مباشرة على طريقة اشتغالهم وبرمجة عمليات التفريغ والتسويق.
كما أن الربابنة وتجار السمك بالجملة والمصدرين يوجدون في قلب الدورة الاقتصادية للسوق، الأمر الذي يجعل حضورهم في أي نقاش حول تغيير توقيت البيع، وفق الهيئتين، أمراً لا يمكن تجاوزه أو اختزاله.
ومن هنا يأتي اعتراض المهنيين: إذا كان القرار يخص سوق السمك بالجملة، فأين ممثلو الجملة وأصحاب المراكب الذين يزودون السوق بالمنتجات؟
وتنتقد الهيئتان كذلك إشراك أطراف لا تمثل، حسب تعبيرهما، النشاط الأساسي الذي صمم من أجله السوق، معتبرتين أن سوق السمك بالجملة له طبيعة اقتصادية ومهنية خاصة.
وتؤكدان أن النقاش ينبغي أن ينطلق من خصوصية السوق باعتباره سوقاً للجملة، وأن الأولوية في التشاور يجب أن تكون للمهنيين المرتبطين مباشرة بهذا النشاط، وعلى رأسهم أرباب مراكب الصيد بالجر وتجار السمك بالجملة والمصدرون.
فالمطلوب، في نظر المهنيين، ليس مجرد عقد اجتماع شكلي يضم مجموعة من المتدخلين، وإنما حوار فعلي مع أصحاب المصلحة الذين سيتحملون النتائج العملية لأي قرار.
وتحرص الهيئتان على التأكيد أن موقفهما لا يعني رفض كل اقتراح يرمي إلى تطوير طريقة اشتغال السوق، فالاقتراحات والبدائل، حسب موقفهما، تبقى قابلة للنقاش، ويمكن حتى دراسة تجربة تغيير التوقيت إذا توفرت الشروط المهنية والمؤسساتية اللازمة، لكن ما ترفضانه بشكل واضح هو أن يتحول مفهوم “التجربة” إلى مدخل لفرض أمر واقع جديد.
كما أن أي تغيير، حتى لو كان مؤقتاً، ينبغي أن يستند إلى معطيات واضحة، وأن تحدد له مدة وشروط ومعايير للتقييم، وأن يتم إشراك المهنيين في قياس نتائجه وانعكاساته، و لا تعترض الهيئتان على حضور المدير التجاري، بل على الطريقة التي تم بها استدعاؤه إلى ملف كان يمكن تدبير مرحلته الأولى محلياً ومهنياً بشكل أكثر فعالية.
وترى الهيئتان أن النقاش كان يفترض أن يبدأ على مستوى الميدان، بحضور المدير الجهوي للمكتب الوطني للصيد، ومندوب المكتب الوطني للصيد، ومندوب قطاع الصيد البحري بميناء آسفي، إلى جانب ممثلي المهنيين الحقيقيين، أما الانتقال مباشرة إلى مستوى مسؤول وطني، دون ضمان حضور جميع الأطراف المهنية الأساسية، فيطرح، حسب الهيئتين، علامات استفهام حول منهجية الإعداد للاجتماع ومدى احترام مبدأ التشاور، وتقول الهيئتان، في جوهر موقفهما، إن قوة المسؤول الذي يحضر الاجتماع لا يمكن أن تعوض ضعف التمثيلية داخله.
وتوجه غرفة أرباب مراكب الصيد بالجر وجمعية تجار السمك بالجملة رسالة واضحة بشأن أي قرار مستقبلي لتغيير توقيت البيع، فأي تغيير في توقيت البيع والشراء داخل سوق السمك بالجملة بميناء آسفي، حتى وإن قدم في إطار تجربة، سيحمل الجهة المشرفة على القرار كامل المسؤولية عن الآثار والانعكاسات التي قد تترتب عنه إذا تم دون إشراك الفاعلين المعنيين مباشرة، فالمسألة، بالنسبة للمهنيين، لا تتعلق بساعة تقديم أو تأخير موعد البيع فحسب، وإنما بمنظومة كاملة تبدأ من البحر والتفريغ، وتمر عبر السوق، وتنتهي بالتسويق والتصدير، لذلك، فإن تغيير حلقة واحدة من هذه المنظومة دون دراسة انعكاساتها على باقي الحلقات قد يؤدي إلى اختلالات مهنية وتجارية لا يمكن تداركها بسهولة.
وتصف الهيئتان الاجتماع، بصيغته الحالية، بأنه ناقص من الناحية المهنية والتمثيلية، معتبرتين أن نجاح أي لقاء لا يقاس بعدد المسؤولين الحاضرين فيه، وإنما بمدى حضور الأطراف التي تملك علاقة مباشرة بالموضوع المطروح، فالملف، حسب موقفهما، يحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات: أولاً تحديد الفاعلين الحقيقيين، ثانياً الاستماع إلى ملاحظاتهم، ثالثاً دراسة المقترحات والبدائل، ورابعاً اتخاذ القرار على أساس توافق مهني ومؤسساتي واضح.
وتؤكد الهيئتان أن الخلاف ليس مع الأشخاص، ولا مع مؤسسة المكتب الوطني للصيد، ولا مع فكرة تطوير وتحديث آليات اشتغال سوق السمك بالجملة، الخلاف، كما تؤكدان، هو مع منهجية تدبير ملف حساس دون ضمان حضور كل من سيتأثر بنتائجه.
وفي ختام موقفهما، تشدد غرفة أرباب مراكب الصيد بالجر وجمعية تجار السمك بالجملة على أن القرارات التي تمس النشاط اليومي للمهنيين لا يمكن أن تصنع في غيابهم، فإذا كان الهدف هو تطوير سوق السمك بالجملة بميناء آسفي، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر الحوار، لا عبر القرارات المفاجئة؛ وعبر إشراك المهنيين، لا عبر الاكتفاء بتمثيلية ناقصة، وعبر دراسة الواقع الميداني، لا عبر تجارب قد تكون لها تداعيات غير محسوبة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على الجهات المسؤولة:هل نحن أمام تغيير مدروس لتوقيت البيع، أم أمام طريقة تدبير تحتاج هي نفسها إلى المراجعة قبل تغيير توقيت السوق؟
ذلك أن المشكل، بالنسبة للمهنيين، لم يعد في التوقيت وحده، وإنما في الطريقة التي يتم بها اتخاذ القرار بشأنه.