الصيد البحري إلى أين؟ أسئلة مهنية حول واقع القطاع ومستقبله

 الصيد البحري إلى أين؟  أسئلة مهنية حول واقع القطاع ومستقبله

 

 

بقلم: الهاشمي الميموني: رئيس غرفة أرباب مراكب الصيد بالجر بآسفي

لم يعد الحديث عن وضعية قطاع الصيد البحري مجرد نقاش عابر بين المهنيين، بل أصبح موضوعًا يفرض نفسه بقوة، في ظل ما يصفه عدد من العاملين في القطاع من تراجع في الإنتاج، وصعوبات اجتماعية واقتصادية متزايدة، وإشكالات مرتبطة بالتدبير والحكامة وتمثيلية المهنيين.

والتعاطي مع هذه الوضعية يقتضي، قبل كل شيء، الاعتراف بوجود صعوبات حقيقية، ثم البحث عن أسبابها بموضوعية ومسؤولية، بعيدًا عن التهويل أو التستر أو تحميل المسؤولية لطرف واحد.

فقطاع الصيد البحري ليس مجرد نشاط اقتصادي؛ إنه منظومة اجتماعية ومهنية متكاملة، يعيش منها آلاف البحارة وأسرهم، وترتبط بها الأسواق والموانئ وتجار السمك والمهنيون ومختلف المتدخلين. ولذلك فإن أي اختلال يصيب القطاع ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعاملين فيه.

البحّار في قلب القطاع… فهل هو في قلب السياسات الاجتماعية؟

من أكثر الأسئلة التي تطرح نفسها اليوم وضعية البحارة أنفسهم. فالبحّار يتحمل مخاطر العمل في البحر، ويواجه ظروفًا مهنية قاسية، وقد يجد نفسه في حالات الطوارئ أمام مخاطر تستوجب منظومة فعالة للإنقاذ والإسعاف والحماية الاجتماعية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقييم فعالية منظومة الإنقاذ والإسعافات الأولية، ومدى استفادة البحارة من الخدمات الصحية والاجتماعية، وكيفية التعامل مع فترات التوقف والراحة البيولوجية، إضافة إلى مختلف أشكال الدعم والتعويض التي يفترض أن تواكب المهنيين خلال الفترات الصعبة.

هذه ليست امتيازات، بقدر ما هي قضايا مرتبطة بكرامة العاملين في البحر وبالسلامة المهنية والاجتماعية.

أموال القطاع… أين تذهب، وكيف تُدبّر؟

من جهة أخرى، يطرح المهنيون أسئلة حول الموارد المالية المرتبطة بالقطاع، سواء تعلق الأمر بالمداخيل الناتجة عن النشاط الاقتصادي أو بالاقتطاعات والرسوم أو بمختلف آليات التمويل والدعم.

والسؤال المهني هنا ليس اتهام جهة بعينها، وإنما المطالبة بوضوح أكبر في التدبير: ما حجم الموارد؟ وكيف يتم توزيعها؟ وما هي المشاريع والبرامج التي تستفيد منها؟ وهل تصل نتائجها بالفعل إلى المهنيين الذين يفترض أن يكونوا المستفيد الأول منها؟

كما أن الجمعيات المهنية مطالبة بدورها بمزيد من الشفافية والديمقراطية الداخلية، وتجديد هياكلها وفق القواعد القانونية والتنظيمية، وإطلاع المنخرطين على كيفية تدبير الموارد واتخاذ القرارات.

الرخص والامتيازات… الحاجة إلى تكافؤ الفرص

ومن الملفات التي تستوجب نقاشًا مهنيًا هادئًا أيضًا طريقة تدبير بعض الرخص والامتيازات المرتبطة بالأنشطة البحرية، ومدى ضمان تكافؤ الفرص بين المهنيين.

فالقطاع لا يمكن أن يستقيم إذا شعر جزء من المهنيين بأن الفرص لا توزع وفق معايير واضحة وشفافة، أو أن الاستفادة من بعض الرخص والموارد تبقى محصورة في دائرة محدودة.

ولهذا فإن نشر المعايير المعتمدة، وتوضيح مساطر الاستفادة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كلها إجراءات من شأنها أن تعزز الثقة وتضع حدًا للكثير من الشكوك والتأويلات التي تنتشر داخل الأوساط المهنية.

بين الأمس واليوم… تغيّر المشهد المهني

هناك أيضًا سؤال اجتماعي لا يمكن تجاهله.

فالمهنة البحرية عرفت خلال السنوات الماضية تحولات كبيرة، سواء على مستوى التكنولوجيا أو الاستثمار أو طرق التدبير أو طبيعة العلاقة بين المهنيين ومختلف المؤسسات المتدخلة.

لكن هذا التطور ينبغي ألا يؤدي إلى اتساع الفجوة بين فئات المهنيين. فالبحّار الذي يعيش من عمله اليومي، وصاحب القارب، والربان، ورئيس الجمعية، والمستثمر، لكل واحد منهم موقعه ومصالحه، لكن مستقبل القطاع يتطلب البحث عن نقطة التوازن التي تحفظ حقوق الجميع.

كما أن نجاح أي إصلاح لا يقاس بعدد السيارات أو العقارات التي يمتلكها بعض الأشخاص، وإنما بمدى تحسن ظروف البحارة، واستدامة الثروة السمكية، وارتفاع مردودية القطاع، وتحقيق العدالة والشفافية في الاستفادة من موارده.

التمثيلية المهنية… هل تعكس فعلًا صوت القاعدة؟

من القضايا التي تستحق نقاشًا جادًا كذلك مسألة تمثيلية المهنيين.

فالقطاع يحتاج إلى هيئات مهنية قوية ومستقلة وقادرة على نقل انشغالات البحارة وأصحاب القوارب والمهنيين إلى الجهات المسؤولة. لكن هذه التمثيلية لا تكون فعالة إلا إذا كانت نابعة من القاعدة، وتحظى بثقة المهنيين، وتقوم على آليات واضحة للديمقراطية والمحاسبة وتجديد المسؤوليات.

فالاختلاف في الرأي ليس مشكلة، والانتقاد ليس عداءً، والمطالبة بالإصلاح ليست اتهامًا لأحد. بل إن النقد المهني المسؤول يمكن أن يكون مدخلًا لتحسين الأداء وتصحيح الاختلالات.

التكنولوجيا وحدها لا تكفي

دخل القطاع مرحلة جديدة عنوانها الرقمنة والتكنولوجيا وتحديث أنظمة التتبع والتصريح والتدبير. وهي خطوات يمكن أن تساهم بشكل كبير في تحسين الحكامة ومحاربة التلاعب وتعزيز الشفافية.

لكن التكنولوجيا، مهما بلغت فعاليتها، لا تستطيع وحدها إصلاح الاختلالات إذا لم ترافقها إرادة حقيقية في تطبيق القانون، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالرقمنة يجب أن تجعل المعلومة أوضح، والمساطر أكثر شفافية، والرقابة أكثر فعالية، والمهني أكثر قدرة على معرفة حقوقه وواجباته.

الصيد البحري يحتاج إلى «سفينة إنقاذ» مؤسساتية

إن الأزمة التي يتحدث عنها المهنيون لا يمكن اختزالها في تراجع الإنتاج أو صعوبة التسويق فقط. إنها قضية اقتصادية واجتماعية ومهنية، وربما مؤسساتية أيضًا.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما فتح حوار مهني جاد تشارك فيه مختلف الأطراف، من البحارة وأصحاب القوارب والمهنيين والجمعيات والمؤسسات المعنية، من أجل تشخيص دقيق للوضع واقتراح حلول قابلة للتنفيذ.

نحن لا نحتاج إلى البحث عن مذنبين بقدر حاجتنا إلى البحث عن مكامن الخلل.

ولا ينبغي أن يتحول الدفاع عن القطاع إلى الدفاع عن الأشخاص، أو أن تتحول المؤسسات المهنية إلى غاية في حد ذاتها، لأن الغاية الحقيقية يجب أن تبقى هي حماية الثروة البحرية، وضمان استدامة النشاط، وتحسين أوضاع البحارة، وتحقيق العدالة بين المهنيين.

والسؤال الذي يبقى مطروحًا:

الصيد البحري إلى أين؟

إلى قطاع أكثر شفافية وعدالة واستدامة، أم إلى مزيد من التفاوت والاحتقان؟

الإجابة لن تأتي من الشعارات، وإنما من الأرقام، والشفافية، والحوار، والمراقبة، والمحاسبة، والإصلاح الحقيقي.

ومن موقع من عاش البحر وعرف أسرار الموانئ، فإن الدفاع عن القطاع لا يعني مهاجمة أحد، وإنما يعني قول ما يجب قوله عندما تظهر الاختلالات، والتنبيه إلى المخاطر قبل أن تتسع الفجوة.

فالسفينة التي تظهر فيها ثقوب صغيرة لا تنتظر حتى يغمرها الماء لكي تبحث عن الإنقاذ.

والصيد البحري اليوم بحاجة إلى تشخيص صريح، وإصلاح مسؤول، وسفينة إنقاذ مؤسساتية تحمي القطاع والبحّار ومستقبل الثروة البحرية.

سعيد الجدياني

https://www.assif.info

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *