الصيد بالقصبة في آسفي.. حين يصبح البحر ملاذًا للصبر والسكينة
آسفي: عبد الرحيم النبوي
مع أولى خيوط الفجر، يبدأ مشهد مختلف على السواحل الصخرية لمدينة آسفي. رجال يتوافدون تباعًا إلى مواقع اعتادوا ارتيادها، يحملون قصباتهم وطعومهم وأدواتهم، قبل أن يتخذ كل واحد منهم مكانه في مواجهة المحيط. لا ضجيج يعلو فوق صوت الموج، ولا حديث يقطع حالة الترقب سوى همسات متفرقة بين صياد وآخر.
هنا، لا تبدو القصبة مجرد أداة للصيد، بل تتحول إلى وسيلة لملامسة البحر والابتعاد، ولو لساعات، عن إيقاع الحياة اليومية. فالصيد بالقصبة بالنسبة إلى ممارسيه هواية ورياضة وفضاء للراحة النفسية، لكنه أيضًا طقس أسبوعي يجد فيه أصحابه فرصة للقاء الأصدقاء وتبادل الخبرات والاستمتاع بالطبيعة.
رحلة تبدأ بالانتظار
على الصخور المطلة على المحيط، تنتصب القصبات في اتجاه الماء، بينما تظل عيون الصيادين معلقة بالخيوط. لكل واحد منهم طريقته في تثبيت القصبة، واختيار الطعم، وانتقاء الموقع الذي يعتقد أنه قد يمنحه صيدًا وفيرًا، غير أن البحر لا يقدم وعودًا مؤكدة.
قد تمر ساعات دون أن تتحرك القصبة، وقد يعود الصياد بما اصطاده قليلًا أو حتى خالي الوفاض. ومع ذلك، لا يبدو أن النتيجة هي المقياس الوحيد للمتعة. فالجلوس أمام البحر، ومراقبة الأمواج، وتبادل الأحاديث، كلها عناصر تجعل من الرحلة غاية في حد ذاتها.
وحين يهتز الخيط فجأة، يتغير كل شيء. تتجه الأنظار إلى القصبة، وتتحرك الأيدي بسرعة، وينتقل الصياد من حالة السكون إلى التركيز الكامل. تبدأ معركة قصيرة مع السمكة، تتطلب خبرة في التحكم بالخيط والصبر في التعامل مع مقاومة الفريسة، وعندما تظهر السمكة فوق سطح الماء، تكون الفرحة أكبر من حجم المصيد، لأنها لحظة انتظرها الصياد طويلًا.
الشرقي إبراهيم: نأتي إلى البحر لكسر الروتين
يقول الشرقي إبراهيم، أحد هواة الصيد بالقصبة، إن ممارسة هذه الهواية تمنحه فرصة لتمضية الوقت وكسر رتابة الحياة اليومية، ويؤكد أن الصيد بالنسبة إلى ممارسيه لم يعد مجرد نشاط عابر، بل تحول إلى شغف وعادة يصعب التخلي عنها، خصوصًا أن البحر يوفر فضاءً مختلفًا عن أجواء المدينة وضغوطها.
ويضيف إبراهيم أن متعة الصيد لا تتوقف عند لحظة اصطياد السمكة، بل تمتد إلى ما يرافقها من تواصل بين الصيادين وتبادل للخبرات والتجارب. فكل جلسة على الشاطئ تحمل نقاشات حول الطعوم، وأساليب الصيد، وأفضل المواقع، فضلًا عن حكايات وتجارب تراكمت لدى الممارسين مع مرور السنوات، ويشير إلى أن حصيلة الصيد تختلف من يوم إلى آخر، وهو ما يمنح كل رحلة طابعًا خاصًا. فقد يكون البحر كريمًا في يوم، وشحيحًا في يوم آخر، لكن ذلك لا يمنع الصيادين من العودة.
من الهواية إلى أسلوب حياة
في حديث الصيادين، تتكرر فكرة واحدة: السمكة ليست دائمًا هي الغاية، فأحدهم يأتي بحثًا عن الهدوء، وآخر يجد في البحر فرصة للابتعاد عن ضغوط العمل، بينما يحرص ثالث على الحضور رفقة أصدقائه، باعتبار الصيد مناسبة للقاء وتبادل الأحاديث.
ويصف إبراهيم الصيد بالقصبة بأنه «رياضة وهواية في الآن ذاته»، لما يوفره من حركة ومتعة واسترخاء، إضافة إلى كونه فرصة لقضاء وقت ممتع في أحضان الطبيعة، ويفضل الصياد اختيار المواقع الهادئة، بعيدًا عن الأمواج القوية، حفاظًا على سلامته وضمانًا لظروف أكثر ملاءمة لممارسة هوايته.
البحر يجمع ما تفرقه الحياة اليومية
وبينما تتوزع القصبات على امتداد الساحل، تبدو المسافة بين الصيادين أقل من المسافة التي تفصلهم في حياتهم اليومية. هنا، يجمعهم اهتمام واحد، وتجمعهم لغة مشتركة تتعلق بالبحر والطقس وحركة الأمواج وأنواع الأسماك.
تتحول الجلسة إلى فضاء للتعلم أيضًا؛ فالمبتدئ يستفيد من خبرة المتمرس، ويتبادل الصيادون النصائح بشأن التعامل مع القصبة والطعم والخيط، في علاقة تقوم على نقل المعرفة من جيل إلى آخر، وهكذا، تتحول الهواية من نشاط فردي إلى تجربة جماعية، تساهم في خلق روابط اجتماعية بين أشخاص يجمعهم شغف واحد.
حين يصبح البحر مسؤولية أيضًا
لكن الاستمتاع بالبحر لا ينفصل عن مسؤولية الحفاظ عليه. فعدد من الصيادين يحرصون على عدم ترك المخلفات في أماكن الصيد، وعلى احترام الوسط البحري وتجنب السلوكيات التي قد تضر بالكائنات والنظم البيئية الساحلية.
ويؤكد هذا الجانب أن العلاقة بالبحر ليست علاقة أخذ فقط، بل تتطلب أيضًا الحفاظ على المكان الذي يمنح الصيادين هذه المساحة من المتعة والراحة، فكل قطعة نفايات تترك فوق الصخور، أو سلوك يضر بالوسط البحري، يمكن أن يؤثر في جمالية المكان وتوازنه الطبيعي، وبالتالي في استمرارية الأنشطة المرتبطة به.
الصيد.. ما الذي يعود به الصياد فعلًا؟
مع اقتراب غروب الشمس، يبدأ المشهد في التغير. تخف الحركة، وتُطوى القصبات، وتجمع الأدوات، ويستعد الصيادون لمغادرة الساحل، بعضهم يحمل معه أسماكًا اصطادها خلال ساعات الانتظار، وآخرون يعودون دون صيد يذكر. لكن القاسم المشترك بينهم أن الجميع تقريبًا يغادر وقد حصل على شيء آخر: ساعات من الهدوء، وأحاديث مع الأصدقاء، وتجربة جديدة، وإحساس بالراحة.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في هذه الهواية؛ فالصياد يأتي إلى البحر بحثًا عن السمك، لكنه كثيرًا ما يعود محملًا بما هو أبعد من المصيد، إنه يعود بشيء من الصفاء، وبقدر أكبر من الصبر، وربما بموعد جديد مع المكان نفسه.
موعد يتجدد مع البحر
في آسفي، لا تبدو علاقة هواة الصيد بالقصبة بالبحر عابرة أو مرتبطة فقط بما تجود به المياه. إنها علاقة تتأسس على الانتظار، والممارسة، والصداقة، والهدوء.
وبين صخرة وقصبة وموجة، تتشكل حكايات صغيرة تتكرر كل أسبوع، وتؤكد أن بعض الهوايات لا تُقاس بما تحققه من نتائج، وإنما بما تمنحه للإنسان من توازن وراحة، وعندما يغادر الصيادون الساحل، يبقى البحر في الخلف، لكنه لا يغيب عن الذاكرة. فغالبًا ما يكون الرحيل مؤقتًا، لأن القصبة ستعود إلى مكانها، والخيط سيُلقى من جديد، وسيبدأ انتظار آخر.
ففي آسفي، لا يصطاد هؤلاء الرجال السمك فقط؛ إنهم يصطادون لحظات نادرة من السكينة، وسط بحر يعرف كيف يعلّم الإنسان فضيلة الانتظار.