جامعة غرف الصيد البحري ترسم ملامح مرحلة جديدة للقطاع بين رهانات الاستدامة وضغوط التكاليف
الرباط : عبد الرحيم النبوي
شكلت الدورة العادية الأولى لسنة 2026 لجامعة غرف الصيد البحري، المنعقدة الثلاثاء بالرباط، محطة مهنية ومؤسساتية بارزة لإعادة طرح القضايا الجوهرية التي تواجه قطاع الصيد البحري المغربي، في ظرفية تتسم بتزايد الضغوط الاقتصادية والبيئية، وتنامي الرهانات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة.
وشهد اللقاء مشاركة مسؤولين حكوميين وممثلي المؤسسات العمومية والهيئات المهنية، حيث انصبت المناقشات على عدد من الملفات التي تشكل اليوم محور اهتمام الفاعلين في القطاع، وفي مقدمتها أوضاع الصيد التقليدي والصيد بالخيط، وما يواجهه العاملون بهذين النشاطين من إكراهات ميدانية وإدارية تؤثر على استقرار نشاطهم وقدرتهم على مواصلة الإنتاج في ظروف تنافسية.
وعكست طبيعة المواضيع المدرجة في جدول الأعمال حجم التحديات المطروحة أمام القطاع، خاصة ما يتعلق بتدبير مصايد الأسماك السطحية الصغيرة، حيث استأثرت تداعيات قرار منع تصدير السردين المجمد باهتمام واسع، إلى جانب إشكالية السمك المختلط وملف حصة دقيق السمك الذي يظل من أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل الأوساط المهنية بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على سلاسل الإنتاج والتثمين والصناعات التحويلية المرتبطة بالبحر.
كما عاد ملف أسعار الغازوال إلى واجهة النقاش بقوة، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف التشغيل البحري. وأكد عدد من المهنيين أن التحكم في كلفة الطاقة لم يعد مجرد مطلب ظرفي، بل أصبح ضرورة استراتيجية للحفاظ على تنافسية الأسطول الوطني وضمان استمرارية الأنشطة البحرية، خصوصاً في ظل تقلص هوامش الربح وارتفاع تكاليف الرحلات البحرية.
وفي سياق البحث عن آليات جديدة لتعزيز تنافسية القطاع، ناقش المشاركون سبل تشجيع الاستثمار البحري ودعم صناعة السفن الوطنية باعتبارها ركيزة أساسية لتحديث الأسطول المغربي ورفع القيمة المضافة للأنشطة البحرية.

ويرى مهنيون أن تطوير صناعة السفن محلياً لا يقتصر على تعزيز القدرات الإنتاجية للأسطول فحسب، بل يشكل أيضاً فرصة لخلق فرص الشغل ونقل التكنولوجيا وتحفيز النسيج الصناعي المرتبط بالاقتصاد البحري.
ولم تغب أوضاع موانئ الصيد البحري عن أشغال الدورة، حيث شدد المتدخلون على أهمية تسريع مشاريع التأهيل والتوسعة والتحديث التي تعرفها عدة موانئ بالمملكة، بهدف تحسين ظروف العمل وتطوير الخدمات المقدمة للمهنيين ورفع جاهزية البنيات التحتية لمواكبة التحولات التقنية والتجارية التي يشهدها القطاع، وفي ذات السياق، يعتبر الفاعلون أن تحديث الموانئ يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتعزيز جاذبية الاستثمار البحري وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات البحرية المغربية في الأسواق الوطنية والدولية.
وعلى المستوى القانوني، خصصت الجمعية العامة حيزاً مهماً لمناقشة مشاريع نصوص تشريعية جديدة تروم مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع. ومن أبرز هذه المشاريع مشروع القانون المتعلق بالعرض الأول لمنتجات الصيد البحري في السوق، والذي ينتظر أن يسهم في تنظيم عمليات التسويق والتثمين وتعزيز الشفافية داخل منظومة التداول التجاري للمنتجات البحرية.
كما تم التطرق إلى مشروع قانون يهم رصد الملاحة البحرية وتدبير حالات الطوارئ الخاصة بالسفن التي تواجه صعوبات أو تكون تائهة على امتداد السواحل المغربية، في خطوة تستهدف تطوير منظومة السلامة البحرية وتعزيز آليات التتبع والمراقبة.
وفي إطار الاستعدادات للاستحقاقات المقبلة، ناقش أعضاء الجمعية العامة التحضيرات الخاصة بالدورة الثامنة للمعرض الدولي للبحر “أليوتيس”، المرتقب تنظيمه بمدينة أكادير خلال الفترة الممتدة من 27 إلى 31 يناير 2027، باعتبار ان هذا الموعد يعد من أهم التظاهرات الدولية المتخصصة في قطاع الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، حيث يشكل فضاءً لتبادل الخبرات واستعراض أحدث الابتكارات والتقنيات الحديثة في المجالات البحرية.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد رئيس جامعة غرف الصيد البحري أن المرحلة الحالية تفرض تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين وتبني مقاربة تشاركية قادرة على مواجهة التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الإبحار وتراجع الموارد السمكية.
كما دعا إلى توحيد جهود غرف الصيد البحري والهيئات المهنية والإدارات المعنية من أجل بلورة مواقف مشتركة واقتراح حلول عملية ومستدامة للإشكالات التي تواجه القطاع، معتبراً أن تعزيز وحدة المهنيين يشكل أحد الشروط الأساسية لإنجاح مختلف الأوراش المرتبطة بالاقتصاد الأزرق.
وتأتي هذه الدورة في سياق يتسم بتعاظم التحديات المرتبطة بالحفاظ على الثروة السمكية وتحسين الحكامة وتطوير مناخ الاستثمار والإنتاج، فضلاً عن مواكبة التحولات الدولية المتسارعة في مجال الاقتصاد الأزرق، كما يطالب المهنيين بخفض تكاليف الإنتاج وتسريع تحديث البنيات التحتية والتشريعات المنظمة للقطاع، و تتجه الأنظار إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة حاسمة في رسم معالم نموذج جديد للصيد البحري المغربي، نموذج يوازن بين متطلبات الاستدامة البيئية والنجاعة الاقتصادية، ويعزز مكانة المملكة كفاعل بحري إقليمي وقاري مؤثر في مجال الصيد البحري والصناعات البحرية.